مقالات

دخل الهلال (جان) وطلع (ملاك)

محمد عبد الماجد

وكأني على نافذة قطار أنظر إلى الدنيا، تمضي الأشياء سريعاً، نحن نعتقد أن الأشياء هي التي تمضي، وفي الحقيقة نحن من نمضي.

وعند مصطفى سند تلك التحويشة، وسند من الذين ابتكروا التداوي بالكلمات، قصائده تصلح كمضادات حيوية، يقول مصطفى سند:

وقفتُ مراهقاً وجلستُ شيخاً بباب الشعر أسأل:

ما جزائي؟!

جمالٌ حارت الألباب فيه.. تقطّع دونه نفس الرجاء

وما لا يحدّ وليس يحصى.. تسير بذكره سفن الفضاء

تقدم ذا جزاؤك غير أني..

على فقري رجعت إلى الوراء..!!

وما بين وقوفنا وجلوسنا يمضي القطار أو يمضي العمر.. وتتساقط الأشياء.

إن الإبداع السوداني دائماً يعجز قدرتنا عن التعبير، يقول سند: «جمال حارت الألباب فيه تقطع دونه نفس الرجاء».. هل يمكن أن يقطع نفس الرجاء؟ هل يقطع نفس الأمل والحلم؟ هذا تعسف في المستحيل، مثل هاشم صديق الذي قال: «حاجة فيك تقطع نفس خيل القصائد تشده أجراس المعابد»، وهل أنفاس الخيول تقطع؟ لاحظ أن هاشم صديق يقطعها حتى مع خيل (القصائد)، وهذه استحالة أكبر.

أذكر ونحن ما بين الطفولة والصبا، كنا نذهب لإستاد شندي لمشاهدة المباريات، وأذكر أنهم كانوا قبل المباراة وعبر الإذاعة الداخلية للإستاد يشغلون أغنيات عثمان الشفيع وعبد الكريم الكابلي تحديداً دون غيرهما من الفنانين، ما زالت أغنية «القطار المر» لعثمان الشفيع و«في عز الليل» لعبد الكريم الكابلي ترتبطان عندي بإستاد شندي.. «القطار المر» من كلمات محمد عوض الكريم القرشي، و«في عز الليل» من كلمات التجاني حاج موسى، قدمها الكابلي بلحن ونور الجيلاني بلحن آخر ولكلٍّ حلاوته، هاتان الأغنيتان ارتبطتا عندي بمباريات النسر، والأهلي، وساردية، والنيل، والحوش، والهدف، والمجد، والأمل؛ كنا عندما لا نملك حق التذكرة ونعجز عن دخول الإستاد لمشاهدة المباراة، نكتفي بالاستماع لعثمان الشفيع والكابلي ونحن نتحاوم برة الإستاد طرباً بالاستماع للشفيع والكابلي.

نأتي مخصوصاً للإستاد من أجل أن نسمع للشفيع والكابلي.

في ذلك الزمن كان أنك تسمع ليك أغنية شيء نادر وعزيز ولا يحدث إلا صدفة أو بعد مشقة كبيرة.

والأيام تمضي.. ويمضي جان كلود.

جان كلود سجله الهلال في أيام الحرب، لم نكن نعرف عنه شيئاً، تفاجأنا به وهو يشارك مع الهلال في إحدى المباريات الأفريقية وتوقفنا عند لمحاته الساحرة… وتهامسنا ما بيننا: (الولد دا منو؟)، وبدأ بعضنا ممن يملك الحس الفني الرفيع يقول: (رقم سبعة دا ما ساهل).

ثلاثة محترفين لا أستطيع أن أنسى تعاقد الهلال معهم:

الإريتري يوهانس يوم أن وصل بطائرة خاصة من أسمرا، وسادومبا يوم أُعلن عن وصوله البلاد ونحن في إستاد الهلال أو إستاد الخرطوم نتابع إحدى المباريات، وإيمبيلي يوم أن جاء من السعودية ووقع ليلاً في كشوفات الهلال في مباني الاتحاد في شارع البلدية.

جان كلود كان غيرهم، جاء في هدوء لم يشعر به أحد، لكن أعتقد أنه فعل ما لم يفعله غيره؛ على الأقل بعد رحيله من الهلال.

حتى وقت قريب كنت أرى نجاحات جان كلود في الملعب وكنت لا أنظر أبعد من أهدافه التي يسجلها ومراوغاته التي يقوم بها، كنت أعتقد أنه لا يوجد أكثر من هذا الذي يفعله في الملعب، كان يفعل شيئاً أقرب إلى الخيال، وكنت أقول بيني وبين نفسي إن هذا لاعب ما هو إلا ساحر، إنه يقدم السحر ولكن السحر الحلال.. كنت أبدو أقرب إلى حالة عباس محمود العقاد: «وبي سكرٌ تملكني وأعجبُ كيف بي سُكرُ.. رددتُ الخمرَ عن شفتي لعلَّ جمالكَ الخمرُ»، وأنا أشاهد جان كلود يخلط (الباكات) ثم يفرمهم فرماً ويلقي بهم كمجهولي الهوية في الطرقات، كنت أحسب أن هذا أقصى غايات النجاح، حتى اكتشفت أن نجاحات جان كلود الأخرى أكبر من ذلك، وإذا استفاد الهلال من جان كلود وهو في صفوفه مرة أو عشرة أو مائة، فقد استفاد من رحيله ألف مرة، ما قدمه جان كلود للهلال وهو يرحل عنه أضعاف ما قدمه وهو يلعب للهلال.

نعم، استفدنا من جان كلود كثيراً وقدم فوائد ومنافع عظيمة للهلال وهو لاعب، ولكن عندما رحل جان كلود من الهلال قدم لنا أضعاف ما قدمه للهلال وهو لاعب.

هو ليس ساحراً في مراوغاته فقط، هو ساحر أيضاً في مغادرته؛ لاعب يعود للهلال بما يصل إلى 6 ملايين دولار، هو من غير شك ساحر، هذا أمر لا يحدث إلا من ساحر. وماذا يكون إن لم يكن ساحراً يروب الموية في صحنها؟!

إذا خرج لك (جان) من برمة أو (عفريت) من مصباح وطلبت منه 6 ملايين دولار، سوف يضع يده في رأسه ويقول ليك: أنت مجنون؟

حتى (الجان) الرسمي لا يستطيع أن يفعل هذا الذي كان من (الجان) الهلالي.

في تاريخ الهلال يمكن أن يجد جان كلود منافسة من سادومبا، أو من يوسف محمد، أو إيمبيلي، أو باري ديمبا، أو داريو كان في المردود الفني، ويمكن أن يتفوق آخرون على جان كلود فنياً، يوسف محمد وسادومبا قدما للهلال فنياً الكثير، ولكن في العائد المادي والمكاسب المالية التي قدمها جان كلود للهلال لا يوجد أحد يمكن أن ينافسه أو أن يقترب منه، ولو اجتمع كل اللاعبين الذين استفاد منهم الهلال مادياً بعد بيعهم لكانت كفة جان كلود هي الأرجح.

كنت من أكثر المعارضين لبيع جان كلود وكنت أردد أن الهلال إذا أراد أن يحقق بطولة قارية عليه أن يحافظ على جان كلود، ولكن بعد الرقم الذي عاد للهلال من بيعه أقول إن الهلال حقق الصفقة الأبرز في تاريخه.

ونحن لا بد لنا من أن نضغط للمحافظة على اللاعبين، حتى إذا تم إطلاق سراح لاعب يكون ذلك بمقابل كبير، ولا بد أن نمارس الضغط حتى بعد رحيل جان كلود ليكون البديل بنفس الموهبة.. لا نقول بنفس القيمة، لأن جان كلود غير، ولكن نقول بنفس الموهبة أو أعلى منه موهبة.

نتفق على قيمة جان كلود وإمكانياته، ولكن لا نختلف أن هذه الإمكانيات وتلك القيمة ما كانت سوف تظهر لولا الهلال.

الهلال هو من صنع جان كلود وهو قادر على أن يصنع غيره أو أفضل منه، فقد كان أحد أهم أهداف الهلال عندما تعاقد مع جان كلود هو الاستثمار فيه، وقد حقق الهلال هدفه الأول الذي كان يقصده عندما تعاقد معه.

الهلال لا يستطيع أن يمنح جان كلود الراتب الذي منحه له الأهلي طرابلس، وإن استطاع الهلال فإن ذلك الأمر سوف يجعل هنالك فوارق كبيرة بين لاعبي الهلال في المرتبات.

فريق الأهلي المصري بعد موسم صفري قرر أن يبيع لنادي الرياض السعودي أفضل لاعبيه وهداف الأهلي في الدوري المصري وهداف دوري أبطال أفريقيا محمود حسن “تريزيجيه” بمليون ونصف مليون دولار وهو مبلغ زهيد لا يتناسب مع قيمة اللاعب، لكن مع ذلك الأهلي فضل التخلص من تريزيجيه بسبب المشاكل التي حدثت في غرفة اللبس بسبب مرتب تريزيجيه، وقد كانت تلك المشاكل سبباً في أن يخسر الأهلي المصري بعد سنوات طويلة كل البطولات التي شارك فيها.

حسام عبد المجيد أجبر الزمالك على الموافقة ببيعه لأحد الأندية البلجيكية بمليون ونصف مليون دولار وهو في سن جان كلود.

لو كان الأمر في يد الهلال وحده كان يمكن أن يحافظ الهلال على لاعبيه، ولكن الأمر مرتبط بطرف آخر، بل مرتبط بأطراف أخرى: اللاعب، ووكيله، والنادي الذي يرغب في التعاقد معه.

لوائح الفيفا تمنح اللاعب مساحة كبيرة في حرية الاختيار وفي رغبته، وهنالك أنباء أن هنالك تعديلات في اللوائح سوف تفرض على الأندية وضع شرط جزائي محدد في عقد أي لاعب موازياً لمرتبه ولحوافزه، وهذا إن حدث فإن الهلال لن يستطيع أن يضع كشرط جزائي في حال رحيل جان كلود أكثر من مليون دولار، لأن راتب اللاعب في الهلال ضعيف وهو قد يكون تضاعف 15 مرة في عقد اللاعب الجديد مع الأهلي طرابلس.

هذه الأرقام العالية لن تصنع المعجزة في الأهلي طرابلس، لا بد من أن يكون هنالك توافق وتناسب بين دخل النادي ومنصرفاته.

إننا من بعد لا نستطيع إلا أن نتمنى التوفيق والسداد لجان كلود في وجهته المقبلة، بعد أن وضع جان كلود اسمه في تاريخ الهلال كأفضل لاعب خدم الهلال وهو لاعب للهلال، وخدمه وهو راحل.

إذا حقق الهلال بطولة دوري أفريقيا سوف يمنح الهلال جائزة مالية تصل إلى 4 ملايين دولار، ورحيل جان كلود منح الهلال 6 ملايين دولار، وهنا لا نقصد أن نقلل من بطولة دوري أبطال أفريقيا، لأن البطولة تبقى حلمنا وهي التي يخطط لها الهلال ويلعب من أجلها، وهي بطولة لها قيمة أدبية أكبر من أي مقابل مالي، الذي أقصده أن 6 ملايين دولار المقابل الذي يناله الهلال على إطلاق سراح جان كلود سوف تجعل تعاقدات الهلال أعلى وستكون ترتيباته للفوز بالأميرة السمراء أكثر دقة، إذا استثمرنا المبلغ الذي عاد للهلال من بيع جان كلود بصورة جيدة سوف يحقق الهلال البطولة الأفريقية، خاصة أن الهلال فشل في تحقيق البطولة في وجود جان كلود.

أعتقد أن الهلال باع جان كلود واحداً وهو قادر بالمبلغ الذي عاد له من بيعه أن يأتي بعشرة جان كلود.

نعم نريد في الهلال أكثر من جان كلود، على الهلال أن يتعاقد مع أسماء تعوض رحيل جان كلود ولا تجعل أحداً يشعر بالندم على رحيله.

تحدثنا عن قيمة جان كلود الفنية وعن قيمته المادية، وهنالك قيمة أعلى من القيمتين يمتلكها جان كلود.

جان كلود أجمل ما فيه أخلاقه، وانضباطه، والتزامه، كان يمكن أن يرحل جان كلود من الهلال قبل ذلك كما رحل لامين جارجو ومكابي ليليبو، لكن اللاعب فضل المواصلة مع الهلال، وكان عندما يطلب منه الهلال تمديد عقده لا يتأخر عن التمديد، حضر مع الهلال إلى الدامر وحضر معه إلى الخرطوم في ظروف صعبة، وكان يمكن أن يعتذر ويرفض الحضور بعد أن شارك مع الهلال في الدوري الموريتاني، والدوري الرواندي، ودوري أبطال أفريقيا.

جان كلود بكل المقاييس والمعايير هو لاعب غير، لا يشبه أحداً، فقد كان أكثر وفاءً وإخلاصاً للهلال من لاعبين وطنيين.. لذلك ارتفعت قيمته ووصل إلى مستوى بفضل الهلال جعل القارة الأفريقية كلها تتحدث عنه.

كان يمكن أن يغري الأهلي المصري، أو صن داونز الجنوب أفريقي، أو الترجي التونسي، أو بيراميدز اللاعب، وكان لهم أن يحرضوه على التمرد والانتقال من الهلال جبراً بمقابل مادي ما كان سوف يتجاوز المليون ونصف المليون دولار، لكن جان كلود فضل الانتقال إلى الأهلي طرابلس رغم أنه فريق أقل من تلك الأندية التي كانت ترغب في التعاقد معه، وقد فعل جان كلود ذلك من أجل أن يكسب الهلال 6 ملايين دولار… عزاؤنا أن اللاعب أيضاً كسب مادياً ووصل إلى رقم من الصعب أن يصله لاعب في القارة الأفريقية.

الهلال حقق رقماً قياسياً سوف يبقى ويصمد طويلاً.. الهلال حقق بطولة أخرى من خلال بيع جان كلود.

بقي أن نقول من المنافع التي كسبها جان كلود في الهلال أنه جاء للهلال (جان) وطلع (ملاك)، ولا عجب في ذلك فالهلال رجل صالح.

متاريس

جاء في موقع سودافووت الذي يتحفنا دائماً بكل ما هو جميل الآتي:

من حوار النجم “جان كلود” مع تلفزيون “أو إي بي تي في” (OEB TV) وراديو “كايوزا إف إم” في بورندي:

المذيع: كيف هي تجربة اللعب في نادي الهلال؟ بعيداً عما نراه على الشاشات، كيف تبدو الأجواء داخل النادي؟

جان كلود: (الأجواء في نادي الهلال تشبه إلى حد كبير ما عشته في نادي “ماغارا”.. إنه نادٍ لا يعاملك كلاعب فقط؛ فبعيداً عن كرة القدم، تشعر كأنك فرد من عائلتهم. إذا واجهت أي مشكلة أو احتجت لأي شيء، فإنهم يقفون معك ويدعمونك فوراً. الطريقة التي يرحبون بها باللاعب ويظهرون بها اهتمامهم تجعلك تشعر بالراحة. باختصار، هم يعاملون اللاعبين كأبناء لهم).

هذا هو جان كلود الذي تعرف، لذلك أحبه الهلالاب.

جان كلود الكورة كورة (جان) والأخلاق أخلاق (ملائكة).

سوف أعود لأكتب مرة أخرى عن الجان.

على الهلال أن لا يهمل ترميم أطرافه وأجنحته قبل مرحلة التمهيدي.

الهلال سوف يفقد آداما كوليبالي في بداية الموسم.

إن تفقد جان كلود وكوليبالي في وقت واحد فإن ذلك أمر يبقى صعباً ويهدد الهلال بشكل واضح.

لذلك على الهلال التعاقد مع مواهب بنفس القيمة أو أعلى.

الهلال ما عنده مشكلة في حراسة المرمى، وما عندو مشكلة في الدفاع، وما عندو مشكلة في الوسط، ولا توجد أزمة أو مشكلة في رأس الحربة؛ أخشى أن تتحول الأزمة إلى الأجنحة، خاصة أن قوة الهلال في المواسم السابقة كانت في الأجنحة.

الهلال حقق طفرته من خلال الأجنحة، لذلك لا بد من تدعيم أجنحة الهلال بأجنحة فتاكة، أجنحة طيارة.. سرعة وقوة ومهارة.

وأهم حاجة المهارة.

جمهور الهلال يفضل اللاعب صاحب المهارة العالية.

بالتوفيق إن شاء الله.

….

ترس أخير: جان جاك روسو!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع