الصدق أقول لكم: أنهكني الضجيج، وأنا في طريقي إلى الصمت!.
وعندما ندفن بصمت مشاعرنا النبيلة، تبقى الذكرى حارسًا لتلك المقبرة!.
سينسى العالم السودان أكثر فأكثر.. الحروب المستجدة ستجعل حربنا بائتة وشعبنا بائتًا أكثر فأكثر.. آلامنا وطموحنا بنهاية الحرب ستفقد شرعيتها.. سنقف على قائمة انتظار كونية بعد أن استقرت مآسينا، وتيبست دماؤنا، وبردت جراحنا.. سوف يتعامل معنا الآخرون كملحق، أو كمن سقط سهوًا من بريد عاجل.. سينسى العالم موتانا وجرحانا ومفقودينا.. سينسى مدننا المدمّرة وقرانا المنهوبة وأطفالنا اليتامى. سننسى في نشرات الأخبار وقصائد المستشرقين ومراكز الأبحاث.. كانت لدينا فرص ضائعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. أما اليوم فلقد انتهت مراسم الجنازة السودانية رغم استمرارها.. فالعالم يخلق حروبًا جديدة ولا وقت لديه لمواساة شعب ظل يتعادل حتى بعد ضربات الجزاء.. لا أشواط إضافية لنا ولا ركلات ترجيح.. كفانا أن نأكل حشيش ملعبنا ونسف ترابه.. كفانا التحديق في عيون المقابر القادمة..
أيها الغيثُ.. تعلّمْ كيف تنسى شكلَكَ المعهودَ في عينِ الضريرْ
نحن صرنا.. فكرةً مغسولةً بالملحِ في كفِّ المصيرْ.
كلما أغمضتُ قلبي أنذرتني عاصفاتٌ بالذي يأتي خطير.
الحرب لم تبدأ بعد، العالم سيتغير بثمن كبير من الويلات والمصائب، وستبقى ذاكراتنا وأقلامنا شواهد على تاريخ بائس، لم نعرف فيه سوى بشاعة الواقع..
وأنا هذا الطفل الساذج، الذي ما زلت أقرأ الكتب، وأحلم بالحياة والفرح رغم كل هذا البؤس، وما زلت أؤمن أن السعادة في الحب والفن والجمال والخير، وما زلت أؤمن أن الإنسان أرقى من أن يقتل جوعًا أو بسلاح أو يذبح بسكين، وأن العدالة لا تتحقق بالكره والإكراه والعنف، وأن الحياة أبسط من أن تعاش بالترهيب، وأن كتابًا أقرأ كلماته تحت دفء الشمس، أبقى من ثروات العالم وأنقى من كل فكر دموي.
في الحرب ذبلت ضحكاتنا.. كما تذبل وردةُ ياسمينٍ في صقيع الشتاء..
تجعدت وجوهنا.. ومحا الزمن عنها ملامح الفرح..
واسودّت السماء فوق رؤوسنا.. كأنها أعلنت حدادها على عيونٍ كانت تعرف معنى الضوء..
حتى الحروف نزعت أصواتها.. وصارت الأوراق تخشى أن تحمل وجعًا جديدًا..
وما عاد للأشياء لون..
كلُّ شيءٍ في الحرب باهت.. باكٍ.. مُنهك..
حتى الحلم.. صار يمرُّ متنكّرًا.. يخشى أن يُقتل على أبواب الغد..
روينا أرض أحلامنا دماءً..
وأصبحت الخرائط مبللةً بالعبرات..
وضاعت خطانا بين طريقٍ لا يُفضي إلى نهاية.. وذاكرةٍ لا تملك رجوعًا..
في هذه الحرب..
كان الوجع خبزنا اليومي..
وكان الفقدُ زائرًا لا يُخطئ عناويننا..
وكان الخوفُ ينام على عتبات البيوت.. قبل أن ينام أهلها..
لكننا.. رغم الركام.. ورغم الجراح…. ورغم المقابر التي ازدحمت بالصغار والكبار..
ما زلنا نقول لأبنائنا..
إن في الجنّات أوطانًا.. لمن ضاقت به الأرض كرامةً وإباءً..
وسيظل هناك من يروي..
من يحكي الحكاية كما عشناها..
بلا تزوير.. ولا أقنعة.. ولا ذاكرةٍ مستعارة..
سيقول لهم..
كان لنا وطنٌ اسمه السودان..
أحببناه.. ودفعنا من أجله أعمارًا لا تُسترد..
وتعبنا.. وبكينا.. ثم نهضنا..
لأن الشعوب التي تحفظ كرامتها.. لا تُحسن السقوط..
ولأن الأوطان قد تنكسر..
لكنها لا تموت.. ما دام في أهلها من يحمل الحكاية..
وصباحنا.. ليس صباحَ الصيف..
بل صباحُ ذاكرةٍ تعرف أن الأمم التي تنسى آلامها.. تُعيد عيشها مرةً أخرى..
كي لا ننسى!..
لا مجد في الانتصار، تمجيد الانتصار يعني إعلاء شأن القتل، وعندما يقتل الكثير من الناس نبكيهم بحزن وأسى.. لهذا عند الانتصار علينا أن نقيم طقوس الحداد!.
بئس الدولة التي لا تعيش إلا من خلال الحروب.. أي على سفك دماء البشر.. وتدمير ما صنعته أيديهم من خيرات!.
في مطحنة الزمن لا شيء ثابت.. كل النظريات والأفكار والاعتقادات وحتى القيم، تتغير، وما علينا إلا أن نستوعب ونتحمل هذه التغيرات مهما كانت مؤلمة.
أن تطحنكَ رحى الدهرُ وتحولكَ من هِزبرٍ مرهوبٍ.
إلى ذئبٍ هزيلٍ يصيرُ من الطبيعي أن تتجرأُ عليكَ الكلابْ.
“لا عجبْ فلكلِ زمانٍ أسيادُه والكلابُ أسيادُ هذا الزمانْ”!.
نحن على “قليل عديدنا”، من نسج من انكشاف أوهامه آفاقًا جديدة، تنير عتمة أيامنا، وصولًا إلى مستقبل مشرق للإنسانية المغدورة.
إن إعادة القيمة للإنسان، مفتاح لتحقيق التصالح بينه وبين نفسه، وبينه وبين الآخر (أي آخر)، وبينه وبين الوجود ككل، وهي الأرضية الأساسية لاستقرار حضارة الإنسان في أي زمان ومكان، ونحن في بلدنا الجريح والمنكوب السودان أكثر ما نكون مدعوين لتأكيد هذه القيمة، وإعادة الاعتبار والمعنى الكاملين لإنساننا الذي وجد نفسه هدفًا لكل من هب ودب من جهات الأرض، بل وشعر بأنه هدف لأقرب الأقربين إليه، وبدأ يفقد ثقته بكل شيء وأي شيءٍ.
عشرات الدول في هذا العالم نالت استقلالها بعدنا (منها الدكتاتوري ومنها الديمقراطي؛ منها الرأسمالي ومنها الاشتراكي) كلها تقدمت علينا علميًا واقتصاديًا وعمرانيًا بفارق كبير، لأنّ أحزابها وقادتها امتلكت مشروعًا لبناء الدولة والنهوض بالتعليم والصحة والاقتصاد، ولأن الولاء فيها كان للدولة وللمؤسسة، وليس للقائد ولا للزعيم الاستثنائي ولأن منسوب المواطنة كان يرتقي مع كل إنجاز حقيقي!!!
والسؤال:
أما آن لنا بعد ما عاناه السودانيون، أن نغيّر أساليب تفكيرنا وإدارتنا ومعاييرنا في اختيار الكفاءات؟!
أما آن لنا أن نضع حدًا لهدر الوقت الذي كلفنا دماء غالية، وأن نتواضع قليلًا، كرمًا للأجيال القادمة التي يمكن أن تدفع أثمانًا أكثر مما دفعنا؟!!.
أما آن لنا أن يكون على رأس مؤسساتنا أصحاب العقول البصيرة، ذوو التفكير الاستراتيجي الذين يرون إلى البعيد ويقرؤون المستقبل، وليس أولئك الذين لا يجيدون السباحة إلا في المياه الضحلة، ويغرقوننا في العادي والعابر، فالأخطر من الكحول أن نخلق تفكيرًا كحوليًا يخدّرنا ويعمينا عن رؤية الجوهري والضروري لمستقبلنا!.
من الآن وصاعدًا.. لم يعد من الممكن استخدام اللغة للتعبير عن سفالة وهزلية وهمجية ما يحدث. إن اللصوص والقتلة والسفاحين والأُجراء وأدعياء الفروسية.. صاروا أكثرية..أكثرية إلى الحد الذي يجعلكَ وحيدًا إلى هذا الحد.. من الشك في نفسكَ النبيّة!
لم يبق أمامك سوى أن تفتح عينيك إلى آخر الضوء، فالظلمة التي حلمتَ بها تحولت إلى مخارز لا تُحتمل، حين ظننتَ أنها ملجؤك الوحيد مما يعتمل في فؤادك من لظى واضطراب.. كنتَ تبني قصورك على موائدها المفترضة.. لم تتوقع أن تنهمر عليك إبرُها زخات متتابعة.. وحين كان النمّال يغزو أصابعك، كنت تحسب أنه بسبب البرد الذي يصعد من مكان ما من قاع روحك.. ولكنك اكتشفت أن ذلك الحصار الأسود يتفاقم حتى يغمر الكون من حولك..
انهض..
لم يبقَ أمامك غير ذلك النبض الذي يتوهج في كريات دمك الذي لم يعرف الماءُ سبيلًا إليه.. أستلّه.. وامضِ إلى حصارك!.