تقارير
إريتريا.. 22.4% مؤهّلون للتعليم العالي .. والبقية إلى أين؟
جيلٌ بين المدرسة والخدمة والخوف من الحرب

الدوحة – مشاوير : تقرير: مجدي علي
22.4% فقط من الطلاب الذين تقدّموا لامتحان الشهادة الثانوية للعام الدراسي 2025/2026 في إريتريا تمكّنوا من تحقيق الدرجات المؤهّلة للالتحاق ببرامج الشهادات والدبلومات الجامعية، وفق إعلان السلطات عن النتيجة، بينما لم يبلغ نحو ثلاثة أرباع الطلاب هذه العتبة. وتمثّل هذه النسبة تراجعًا حادًا عن العام السابق، حين بلغت نسبة المؤهّلين 33.5%، ما يعني أن فرص الانتقال من التعليم الثانوي إلى التعليم العالي انكمشت بصورة كبيرة خلال عام واحد.
في بلد لا يتجاوز عدد سكانه نحو 3.6 مليون نسمة، وفق تقديرات أممية حديثة، لا تبدو النتيجة مجرّد رقم. لم يتقدّم للامتحان سوى نحو 21 ألف طالب وطالبة، وهو عدد يفتح سؤالًا أوسع من نتيجة الامتحان نفسها: كم من الأطفال الذين بدأوا التعليم استطاعوا الوصول إلى المرحلة الثانوية ثم بلوغ امتحانها النهائي؟ لا تجيب النتيجة عن هذا السؤال مباشرة، لكنها تضع الرقم في سياق مسار تعليمي يبدأ قبل الامتحان بسنوات، ويتأثر بالموارد المتاحة وقدرة الطلاب على الاستمرار.
وبعد الامتحان تتفرّع المسارات.
فالأقلّية التي حقّقت الدرجات المطلوبة تملك فرصة لمواصلة التعليم، بينما ينتقل الآخرون إلى مرحلة تتداخل فيها الخدمة الوطنية والعمل والبحث عن بدائل مهنية، فيما تصبح الهجرة خيارًا حاضرًا لدى بعض الشباب.
من المدرسة إلى ساوا
تُدرّس المرحلة الأخيرة من التعليم الثانوي في إريتريا في (مركز ساوا للتعليم والتدريب)، حيث يتداخل التعليم الأكاديمي مع الإعداد المرتبط بالخدمة الوطنية. ولذلك تأتي نتيجة الامتحان عند نقطة شديدة الحساسية في حياة الطالب؛ فالحصول على الدرجات المطلوبة يفتح إمكانية مواصلة التعليم في مؤسسات محدودة الاستيعاب، لكنه لا يعني بالضرورة الخروج من منظومة الخدمة الوطنية.
وبحسب تقارير حديثة، يُوجَّه خريجو ساوا، استنادًا إلى نتائجهم، إلى مسارات عسكرية أو مدنية ضمن الخدمة، ويمكن لبعضهم مواصلة الدراسة في كليات حكومية ثم العمل ضمن الخدمة.
أما من لا يحصل على الدرجات المطلوبة، فتكون خياراته أضيق. فالقانون يحدّد مدة الخدمة الوطنية بـ18 شهرًا، لكنها امتدت عمليًا لسنوات لدى قطاعات واسعة من الإريتريين. وقد وثّقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية استمرار الخدمة لفترات مفتوحة، وربطتها بالعمل القسري وظروف معيشية وأجور محدودة. لهذا لا تبقى نتيجة الامتحان مسألة أكاديمية بحتة؛ فالانتقال من المدرسة إلى المرحلة التالية قد يؤثّر في توقيت العمل والاستقلال وتكوين الأسرة والقدرة على التخطيط للمستقبل.
وتذهب أصوات معارضة إلى أن تدنّي نسبة المؤهّلين يرتبط بعملية فرز تتحكّم فيها الدولة، وأن محدودية المقاعد الجامعية تجعل الرسوب وسيلة لدفع الشباب نحو الخدمة. لكن لا توجد أدلة مستقلة كافية تسمح بالجزم بأن نسبة الـ22.4% تعكس سياسة متعمدة لصناعة الرسوب. والأدق أن النتيجة تأتي داخل منظومة محدودة الموارد والفرص، ولذلك يتجاوز أثرها التحصيل الدراسي وحده.
وتواجه الفتيات بدورهن آثارًا إضافية؛ فقد وثّقت تقارير حقوقية مخاوف من العنف والاستغلال في سياق الخدمة، وأشارت إلى لجوء بعض الأسر إلى الزواج المبكر أو إخراج بناتهن من التعليم لتجنب التجنيد.
المشكلة قبل الامتحان
لا تبدأ قصة الـ22.4% عند قاعة الامتحان. فالوصول إلى الثانوية هو نفسه نتيجة لمسار تعليمي طويل يواجه تحدّيات تتصل بالموارد، وتوافر المعلمين، وجودة التعليم، وقدرة الطلاب على الاستمرار. كما أثّرت سياسات الدولة في مؤسّسات أهلية ودينية كانت تؤدي أدوارًا تاريخية في التعليم، بينما أدّت هجرة المعلمين والكوادر المؤهلة إلى فقدان خبرات تحتاج إليها المدارس.
وتتشابك هذه الظروف مع الحياة اليومية للأسر. فنقص المياه والكهرباء والوقود والغذاء يستهلك وقت الأسرة ومواردها، وقد ينعكس على انتظام الطالب واستعداده للتعلّم، وعلى قدرة الأسرة على مواصلة دعمه.
لهذا لا تصلح النسبة وحدها للحكم على قدرات الطلاب. فهي نتيجة تأتي في نهاية مسار تعليمي ومعيشي طويل، لا في فراغ منفصل عن الظروف التي سبقته.
اقتصاد بلا هوامش
بعد المدرسة، يصطدم الشباب بسوق عمل محدود لا يوفر مساحات واسعة لاستيعاب الداخلين الجدد. وحتى الحصول على شهادة أو مهارة إضافية لا يضمن وظيفة مستقرة أو دخلًا كافيًا.
وتواجه الأسر في الوقت نفسه نقصًا متكررًا في الكهرباء والوقود والمياه والسلع الأساسية، إلى جانب الفقر وسوء التغذية، فيما تؤدي التحويلات المالية القادمة من الخارج دورًا مهمًا في سد جانب من هذا العجز.
وتزداد الضغوط مع تشدّد الدولة في إدارة الاقتصاد. فقد قيّدت السلطات تداول النقد خارج النظام المصرفي، وحدّدت سقفًا شهريًا للسحب لا يتجاوز خمسة آلاف نقفة، مما دفع بعض التجار إلى تحويل مدخراتهم إلى سلع، قبل أن تتدخّل الحكومة بفرض البيع الإجباري والتهديد بسحب التراخيص.
ولا تقف الضغوط الاقتصادية عند حدود الداخل؛ فالحرب في السودان والتوترات مع إثيوبيا تضعان الاقتصاد الإريتري أمام صدمات إضافية، عبر التجارة والنقل وتوافر السلع والأسعار، في وقت يعاني فيه الاقتصاد أصلًا محدودية الموارد وضعف القدرة على تحمّل أزمات جديدة.
بلد يفقد شبابه
عندما تضيق فرص الدراسة والعمل وتطول الخدمة الوطنية، تصبح الهجرة أحد الخيارات التي يضعها الشباب وأسرهم في حساباتهم. وتشير أحدث بيانات الأمم المتحدة إلى أن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء الإريتريين المسجلين حول العالم تجاوز 679 ألفًا بنهاية ديسمبر 2025، وهو رقم يقترب من خُمس سكان البلاد. وفي السودان وحده، تشير أحدث بيانات عام 2026 إلى نحو 136 ألف لاجئ إريتري مسجّل، فيما وصل أكثر من 2,500 لاجئ إريتري جديد منذ مطلع العام وحتى نهاية يونيو، رغم الحرب المستعرة في السودان؛ وهو ما يكشف إلى أي حد يمكن أن تدفع الضغوط داخل إريتريا بعض الشباب والأسر إلى المخاطرة بالعبور إلى بلد يعيش حربًا هو الآخر، بحثًا عن مساحة أوسع للأمان والحياة.
ولا تختصر هذه الأرقام الهجرة فيمن لم يحصلوا على فرصة التعليم العالي. فبين المغادرين طلاب لم يجدوا طريقًا إلى الجامعة، وخريجون لم يجدوا في الداخل سوقًا يستوعب مؤهلاتهم، وشباب يحاولون الإفلات من خدمة وطنية قد تمتد لسنوات. وبذلك تصبح الهجرة مسارًا يتقاطع مع مراحل مختلفة من حياة الإريتري، من نهاية المدرسة إلى بداية العمل وما بعدها.
ولا تنفصل الهجرة عن التوتر الإقليمي؛ فالشاب الذي أنهى المدرسة في انتظار الجامعة أو العمل لا يواجه فقط محدودية الخيارات داخل بلاده، وإنما يظل معرضًا لأن تعيد التوترات العسكرية ترتيب حياته مرة أخرى. وفي بلد ارتبطت الخدمة الوطنية أصلًا بمخاوف الحرب والتعبئة، قد يعني أي تصعيد جديد مزيدًا من الشباب في الخدمة، وتعليق خطط الدراسة والعمل، ودفع آخرين إلى التفكير في مغادرة البلاد. وهكذا تتداخل محدودية التعليم والعمل مع الخدمة الوطنية والتوتر الإقليمي، لتضيق مساحة الاختيار أمام جيل يقف أصلًا عند مفترق طرق ضيق.
وتحمل هذه الظاهرة مفارقة قاسية: البلاد تخسر جزءًا من قوتها البشرية الشابة، بينما تعتمد أسر كثيرة في الداخل على الأموال التي يرسلها أبناؤها من الخارج. فالشاب الذي كان يمكن أن يكون طالبًا أو عاملًا أو صاحب مشروع داخل بلده، يصبح مصدر دخل لأسرة يعيش بعيدًا عنها؛ يغيب عن البيت، لكنه يبقى حاضرًا في ميزانيته.
ولا يبدو طريق العودة مفتوحًا بالقدر نفسه. فقد مُدّد مؤخرًا الحظر على عودة من غادر البلاد دون إذن رسمي إلى خمس سنوات بدلًا من ثلاث، مع إلزام الراغبين في العودة بتعبئة (استمارة الندم والتعهّد)، التي تتضمّن إقرارًا بمخالفة القانون والتعهّد بتحمل تبعاتها.
وهكذا لا تبدو الهجرة مجرد نتيجة لضعف فرص التعليم أو العمل، بل جزءًا من المعادلة التي تتشكّل عندها خيارات الشباب الإريتري: من لا يواصل تعليمه قد يجد نفسه في الخدمة، ومن يواصلها قد يصطدم بسوق عمل محدود، ومن لا يجد في الحالتين ما يكفي لبناء مستقبله قد يبحث عن المستقبل خارج الحدود.






