عطشى عند مقرن النيلين .. الماء معركة حياة في الخرطوم
مشاوير - تقرير : مجدي علي
في الخرطوم، عند مقرن النيلين حيث يلتقي الأزرق بالأبيض، تبدو المفارقة اليوم أكثر قسوة من أي وقت مضى: مدينةٌ نشأت على ضفاف النهرين، وشكّل الماء صورتها وحياتها، أصبحت تبحث عنه في الآبار والتناكر، وتدفع ثمنه بقدر ما يفرضه انقطاع الكهرباء وتوقّف المضخّات وتضرّر الشبكات. لم يعد الماء خدمةً عابرة في تفاصيل المدينة، بل صار مقياساً لإمكانية الحياة فيها.
لذلك تأتي عودة السكان إلى أحيائهم لتضيف وجهاً آخر للأزمة؛ فالعودة إلى المنزل لا تعني بالضرورة العودة إلى الحياة التي كانت فيه.
قد يجد العائد جدران بيته قائمة، لكنه لا يجد الماء، وقد تكون المدرسة مفتوحة، لكن نقطة المياه فيها مدمّرة، وقد يعمل المرفق الصحي جزئياً، فيما يحد نقص المياه من قدرته على استقبال المرضى.
من هنا أصبحت المياه جزءاً من سؤال العودة نفسه؛ فالمدينة لا تستعيد عافيتها بمجرد عودة سكانها أو فتح الطرق والأسواق، وإنما حين تستعيد الخدمات التي تجعل البقاء فيها ممكناً.
الماء.. كلفة يومية
خلال أغسطس 2026، بلغ سعر برميل مياه الشرب المنقولة بعربات “الكارو” نحو 4 آلاف جنيه سوداني في بعض مناطق العاصمة، فيما وصل في بعض مناطق غرب أم درمان إلى نحو 8 آلاف جنيه. ومع ارتفاع كلفة الغذاء والوقود وتراجع القدرة الشرائية، أصبح الماء كلفة يومية إضافية على الأسر.
وترتبط أزمة المياه مباشرة بالكهرباء والوقود؛ فالمحطات والآبار تحتاج إلى الطاقة لتشغيل المضخّات واستمرار الإمداد. ولهذا لجأت هيئة مياه ولاية الخرطوم، عقب خروج الكهرباء من الشبكة القومية، إلى تشغيل المولّدات والآبار عالية الإنتاجية، إلى جانب تشغيل 600 بئر بالطاقة الشمسية، فيما وفّرت الولاية صهاريج للمناطق الطرفية والوقود اللازم للمحطات والآبار.
وتكشف أرقام الهيئة حجم الفجوة؛ إذ تقدر حاجة الولاية بنحو 3 ملايين متر مكعب يومياً، مقابل نحو مليوني متر مكعب كانت الهيئة توفّرها قبل الحرب.
كما ألحقت الحرب أضراراً بالمحطات النيلية والآليات ومواد الصيانة وقطع الغيار، ما أضعف قدرتها التشغيلية.
خريطة العطش تتسع
لا تتوزّع أزمة المياه في الخرطوم بالتساوي بين الأحياء، إذ تختلف حدّتها بحسب مصادر المياه ودرجة ارتباط المناطق بالشبكة.
ففي شرق النيل، تبرز المعاناة في الجريف شرق وحي الهدى ومناطق طرفية تعتمد على الآبار، التي تتوقّف مع انقطاع الكهرباء، فيلجأ السكان إلى عربات “الكارو” وبراميل المياه. كلما تعطّلت الشبكة، اتسع سوق الماء، وكلما ابتعد مصدره، ارتفع ثمنه.
وفي أم ضواً بان، تتوافر المياه الجوفية في بعض المناطق، لكن ملوحتها تجعلها غير صالحة للشرب، ما يضطر السكان إلى شراء المياه العذبة ونقلها من مناطق أخرى. لذلك لا يعني حفر بئر جديدة بالضرورة توفير مياه صالحة للشرب؛ فالمياه تحتاج إلى فحص ومعالجة، والبئر تحتاج إلى طاقة، ثم إلى وسيلة لنقلها.
أما جنوب أم درمان، فقد تفاقمت الأزمة مع تراجع منسوب النيل الأزرق، مما أثّر في قدرة محطة مياه الصالحة على سحب المياه بعد ابتعادها عن مواقع المضخّات.
وفي أم درمان عموماً، تواصل محطات، بينها المنارة، العمل بواسطة مولّدات تعمل بالجازولين، وتحتاج المحطة عند تشغيلها بكامل طاقتها إلى نحو 80 برميل وقود يومياً.
وفي الخرطوم بحري، يواجه الإمداد تحدّيات مختلفة؛ إذ تراجع إنتاج محطة بحري شمال بسبب انحسار مجرى النيل وابتعاده عن مآخذ السحب، رغم محاولات فتح قنوات إسعافية وإزالة الطمي.
كما تعاني الأحياء القديمة ووسط بحري أضراراً واسعة في الشبكات الأرضية، ما يؤدي إلى تسرّب المياه وعدم وصولها إلى المنازل، ويدفع السكان إلى حفر آبار محلية.
أما مدينة الخرطوم، فقد خرجت محطات ضخ محورية، بينها محطة المقرن، عن الخدمة، فيما زاد انقطاع الكهرباء وشح الوقود من الاعتماد على الآبار، التي تتعطّل بدورها خلال فترات انقطاع الكهرباء الطويلة.
وبذلك تتباين خريطة العطش من منطقة إلى أخرى؛ ففي حيّ تتوقّف البئر، وفي آخر تتراجع قدرة المحطة على السحب، وفي ثالث تتضرّر الشبكة أو تصبح المياه الجوفية غير صالحة للشرب. وفي جميع الحالات، يبقى انتظام الإمداد رهناً بسلسلة تبدأ من المصدر ولا تنتهي عند الحنفية.
جذور الانهيار.. شبكة أنهكتها الحرب
لكن أزمة المياه لا تختصرها مشكلة الوقود والكهرباء؛ فقد أصابت الحرب محطات المياه وشبكاتها، وطالت عمليات التخريب والسرقة المولدات وخطوط النقل والتوزيع، فيما جعلت مخلّفات الحرب والذخائر غير المنفجرة الوصول إلى بعض المصادر أكثر خطورة.
ولم تقتصر خسائر الحرب على البنية المادية؛ فقد فقدت المدينة أيضاً جزءاً من كوادرها الفنية المتخصّصة في تشغيل الشبكة وصيانتها. وتشير (اليونيسف) إلى أن أربع محطات فقط من أصل 17 محطة لمعالجة المياه في ولاية الخرطوم ما تزال تعمل، بفعل الأضرار المباشرة وانقطاعات الكهرباء المرتبطة بسد مروي.
وهكذا لم تعد المشكلة عطلاً في خط أو محطة بعينها، بل خللاً يطال أكثر من حلقة في منظومة الإمداد، من المصدر والمضخّة إلى المعالجة والنقل والشبكة التي تنتهي عند الحنفية.
حلول تبقي الإمداد قائماً
في مواجهة هذا الواقع، ظهرت حلول محلّية إلى جانب التدخّلات الرسمية. فبمساندة من المغتربين والمنظمات الإغاثية، ساهمت مبادرات أهلية في تشغيل آبار بالطاقة الشمسية وتوفير المياه لبعض الأحياء، غير أن أثرها ظل محدوداً بنطاقها، فيما تتحمّل المناطق الأبعد كلفة النقل.
وعلى المستوى الرسمي، تعمل الولاية على معالجة الاختناقات العاجلة عبر شق قنوات لسحب المياه من النيل إلى المضخّات، كما حدث في محطة الصالحة، وإصلاح الخطوط الناقلة، وتسيير التناكر لتوزيع المياه مجاناً في المناطق الأكثر تضرّراً. وقد أسهمت هذه التدخّلات في إعادة تشغيل محطة بيت المال بنحو 60 بالمئة من طاقتها، واستقرار محطة المنارة وخطوطها في كرري، وإصلاح الخط الرئيسي لمحطة بحري المغذّي للحاج يوسف وحلّة كوكو والقادسية، إلى جانب عودة جزئية لمحطة الشجرة.
لكن هذه النتائج تظل أصغر من حجم الأزمة؛ فهي تعيد تشغيل أجزاء من منظومة متضرّرة، بينما تبقى الشبكة مثقلة بأضرار الحرب ونقص الطاقة والوقود وتراجع الصيانة والكوادر.
من العطش إلى الوباء
والأخطر أن أزمة المياه لا تنتهي عند حدود سعر البرميل. فعندما تتراجع المياه النظيفة، تتراجع معها النظافة والصرف الصحي، ويضطر السكان إلى استخدام مصادر أقل أماناً، مما يجعل نقص المياه في مدينة أنهكتها الحرب أزمة صحية.
ففي مارس 2026، أعلنت منظّمة الصحة العالمية انتهاء موجة كوليرا بدأت في السودان في يوليو 2024، بعدما سجلت البلاد نحو 124 ألفاً و418 إصابة و3573 وفاة. وفي الخرطوم ارتبط انتشار المرض بنقص المياه الآمنة وتضرّر مصادر المياه والطاقة وانهيار خدمات الصرف الصحي والنظافة.
ومع دخول الخريف، لا تبدو الأمطار بالنسبة إلى سكان الخرطوم مجرّد موسم منتظر، بل اختباراً إضافياً لمنظومة مائية وصحية منهكة؛ إذ قد يؤدي تضرّر شبكات الصرف وتراكم النفايات واستخدام مصادر مياه غير مأمونة إلى زيادة مخاطر انتشار الأمراض.
حين يصبح النيل بعيداً..
ما يحدث في الخرطوم ليس استثناءً، بل الوجه الأكثر وضوحاً لأزمة تمتد إلى أنحاء السودان. وتشير (اليونيسف) إلى أن الحرب ألحقت أضراراً بالبنية التحتية للمياه والطاقة في 13 ولاية، فيما يفتقر 17.3 مليون سوداني إلى خدمات مياه الشرب الأساسية، ولا يحصل نحو 24 مليوناً على خدمات صرف صحي مناسبة.
وعلى المستوى الرسمي، وفّرت الولاية الوقود للمحطات النيلية، وحفرت عشر آبار عالية الإنتاجية في محلية أم بدة، فيما تواصل فرق الصيانة إصلاح الخطوط والمرافق المتضرّرة وإعادة تشغيلها.
لكن اتساع الحاجة يجعل هذه الجهود غير كافية لإعادة بناء شبكة مدينة بحجم الخرطوم. فالآبار والتناكر والمولّدات والوقود والطاقة الشمسية توفر منافذ للنجاة، لكنها لا تعالج وحدها الخلل الذي أصاب منظومة الإمداد من المصدر إلى الحنفية.
وتعود هنا المفارقة الأولى للظهور من جديد: مدينة عند مقرن النيلين، يمر الماء من حولها، بينما يصبح الوصول إليه داخل البيوت مهمة يومية. فوفرة الماء في النهر شيء، وقدرة المدينة على سحبه ومعالجته وضخّه عبر شبكة آمنة شيء آخر.
وهنا تختصر أزمة البرميل الحكاية كلها: أسرة تنتظر بئراً، وأخرى تشتري الماء، وثالثة تحسب ما تبقى من مالها قبل أن تدفع ثمنه.. وبين هذه الصور اليومية تتسع المسافة بين النيل والبيت، لا بالكيلومترات، وإنما بما أصاب المحطات والشبكات والطاقة من أضرار.
وفي مدينة تحاول الخروج من الحرب، يصبح السؤال عن الماء سابقاً لكثير من الأسئلة الأخرى. فالخرطوم قد تعيد فتح سوق، وترمّم شارعاً، وتستقبل العائدين إلى منازلهم، لكن عودة الحياة لا تكتمل ما لم يعد الماء إلى الخطوط. ولعل السؤال الذي تختبر به المدينة مستقبلها لا يتعلّق فقط بقدرتها على توفير المياه، بل بقدرتها على استعادة معناها كخدمة عامة.. هل تستطيع الخرطوم أن تجعل الماء حقاً عاماً مرّة أخرى، لا سلعة يشتريها القادرون ويبحث عنها الآخرون؟