لغتها الأم الإشارة .. كيف حوّلت عرفة حسن صمت عائلتها إلى مسيرة إلهام؟
أم درمان - مشاوير
في بيت لا يتواصل بالكلام لكنه يضج بالحياة والحكايات، نشأت المخرجة ومترجمة لغة الإشارة ورئيسة اتحاد الدراميات السودانيات عرفة حسن الطيب بين أب وأخت و4 عمّات وعمّين اثنين، جميعهم من الصم والبكم.
وفي حوارها مع الإعلامي أحمد فال ولد الدين -ضمن بودكاست “حكايات أفريقية” على منصة “أثير” كشفت عرفة عن تفاصيل رحلة إنسانية استثنائية بدأت من منزل عائلتها العريقة بقرية “أم ضوا بان” في السودان، لتتحول إلى مسيرة قيادية وإنسانية تدافع عن حقوق هذه الفئة وتستوعب أعماق نفسيتها.
ولم تكن لغة الإشارة بالنسبة لعرفة مجرد مهارة مكتسبة، بل تشكلت كـ”لغة أُم” نطقت بها منذ سن الثانية.
بيت يضج بالحياة
وتوضح عرفة أن هاتفها المحمول مضى عليه 10 سنوات على الوضع الصامت، نتيجة تماهيها العاطفي التام مع محيطها العائلي واعتيادها عدم إزعاج مَن حولها.
وتعود أصول هذا الصمم العائلي -وفق التفسيرات الشعبية غير الوراثية لدى أسرة “الشيخ ود بدر” الصوفية العريقة التي تدير مجمع “المسيد” القرآني ومعهد الخليفة يوسف لعلوم القرآن- إلى تقديم الأجداد والآباء العلاج بالقرآن الكريم دون مقابل مادي، مما أدى بحسب الاعتقاد الشعبي إلى انتقاله لأبناء الزوجة الأولى الصم.
وفي هذا المحيط، علّمها والدها “حسن الأصم” المفردات الإشارية الأولى للماء والأكل وهي في الثانية من عمرها، لتبدأ اكتشاف اختلاف أسرتها عند دخولها المدرسة وملاحظتها حديث آباء أقرانها، دون أن يشكل ذلك أي حرج لها، بل كان مصدر فخر وتحدٍّ.
وخاض والدها تجربة تعليمية صعبة في المدارس العادية اعتمادا على النقل البصري والرمزي، حتى التحق بكلية النحت بجامعة السودان.
وبفضل عزيمته وإصراره، سعى لتأسيس معهد لتدريب الصم والبكم في “أم ضوا بان”، وانتزع اعتراف السلطات المحلية به وتخصيص فصول مسائية لهم بعد مواجهات خاضها دفاعا عن كرامتهم وحقهم في التعليم.
ولم يتوقف دوره عند التدريس، بل تحوّل بيته إلى مقر وملجأ معرفي ورعاية شاملة لنحو 500 شخص من الصم، حيث زوّجهم وسعى لتأمين حقوقهم في التعليم والصحة، معتبرا إياهم مسؤوليته المباشرة، وواجه أي مساس بكرامتهم بصرامة وحزم بالغين.
أستاذة في سن الـ10
وفي سن العاشرة، تجندت عرفة وأخواتها للتدريس في معهد والدهن، فكانت ترتدي “الطرحة” لتدرس أشخاصا أكبر منها سنا، معلمة إياهم الحروف الأبجدية والكلمات المكتوبة اللازمة لقضاء حوائجهم في السوق والدكان كـ”الملح” و”الثوم”، بينما تعلمت هي منهم تفاصيل جديدة في لغة الإشارة.
وبشأن والدتها المتحدثة، تشير عرفة إلى أنها تزوجت والدها وهي في سن 14 عاما، ورغم نظرة الشفقة التي كان ينظر بها المجتمع للمرأة المتحدثة المتزوجة من أصم، فإنها شكّلت سندا وحبا كبيرين له.
كما أظهرت العائلة وعياً كبيراً في تربية أطفال الصم المتحدثين، إذ تنبهت الجدة مبكرا لصعوبة نطق الطفل الأول لأخت عرفة الصماء، ففرضت انتقالهما للسكن بجوارها لتدارك تأخر النطق ودمج الطفل مع المتحدثين.
إرث القيادة
وتؤكد عرفة أنها استمدت قوتها الإدارية وشجاعتها من والدها الذي تعلمت منه العزيمة وإيصال الصوت للمصلحة العامة دون خوف من السلطات والمسؤولين، لتتجلى هذه الصفات في قيادتها لأول اتحاد درامي نسوي بالسودان.
وبشأن نفسية الأصم، تشير عرفة إلى اتصافه بالصدق والمحبة الشديدة، مشددة على أن الصم يعتمدون على التواصل البصري والرمزي، ويشعرون بالحساسية البالغة أو الغضب عند إبعادهم عن الحوار المباشر دون ترجمة إشارية، مما يتطلب إشراكهم المستمر لضمان استقرارهم النفسي والاجتماعي.