مقالات

عرشٌ على جُرُفِ النبوءات .. وسُنّةُ الاستدراج في مآلات الطغاة؟!

الجميل الفاضل

أخطر ما يصيب السلطة أن تبدأ في تصديق نبوءاتها، عندها لا يعود الحاكم يرى ما يحدث، إنما ما يريده أن يحدث؛ ولا يقرأ الدم في الشوارع، بل يقرأ فيه طريقًا إلى تحقق أحلامٍ أبويةٍ مؤجّلة؛ ولا يرى الإمهالَ إمهالًا، إنما يراه وعدًا بالبقاء، من هنا يبدأ بالضبط الاستدراج: أن يُعطى المرء من التمكين ما يكفيه كي لا يرى سقوطه.

وليس ثمة أخطر من أن تتحول حينئذ المصادفة إلى علامة، والعلامة إلى نبوءة، والنبوءة إلى يقين، ثم يأتي السلاح ليطلب من شعبٍ كاملٍ أن يعيش داخل صندوق ذلك اليقين.

في السودان اليوم، تطلّ من خطاب السلطة نبرةٌ تريد للحرب أن تكون جسرًا إلى سنوات حكمٍ إضافية، فيما يظلّ السؤال الذي لا تجيب عنه البنادق: من أعطى السلاح حقّ كتابة المستقبل؟، فالتاريخ لا يخلو من عروشٍ صدّقت ما قالته لنفسها.

الحجّاج قتل سعيد بن جبير، وظنّ أن السيف قد أنهى معارضة الرجل الصالح؛ لكنّ قصة ابن جبير بدأت، في ناحية أخرى، يوم صار المقتول يسكن ذاكرة قاتله.

ثم جاء السودان نفسه ليترك حفرته الأشدّ وجعًا: أُعدم محمود محمد طه في يناير 1985، وظنّ نظام النميري أن الأعدام يمكن أن يردّ للعرش المتآكل هيبته، لكن المقصلة لم تكن نهاية المطاف، إذ بعد أسابيع قليلة كان العرش كلّه يهتزّ، ليس لأن دم المقتول يصنع المعجزات، لكن لأن السلطة، حين تقتل كي تثبت قوّتها، تكون بذلك الفعل قد كشفت — دون أن تدري — عن خوفها الأخير.

هكذا يعمل الاستدراج، لا يسحب الكرسي من تحت صاحبه دفعةً واحدة؛ لكنه يتركه جالسًا في قصرٍ يترنّح، يتركه يرفع صوته حتي في ملاعب الكرة.. يطيل سيفه، ويمدّد يقينه، ويفسّر كلّ علامةٍ لمصلحته، حتى يصبح الوهم نفسه جزءًا من نظام حكمه.

﴿وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.

فليس كلّ إمهالٍ نجاةً، ولا كلّ تمكينٍ فتحًا، ولا كلّ بقاءٍ رضا.

وقد تكون أخطر النبوءات تلك التي يصنعها الحاكم لنفسه، ثم يطلب من التاريخ أن يصدّقها، بيد أن التاريخ لا يوقّع، والشعوب لا تُورَّث للأوهام.

فالجيوش هي التي ينبغي أن تحرس الدولة لا أن ترثها، وبالطبع فالسلاح الذي يفتح الطريق لا يملك أن يقرّر إلى أين تمضي الأوطان.

عمومًا، فالعرش الذي يُبنى على نبوءة، ويُحمى بالسيف، ويستمدّ عمره من الحرب، قد يبدو من بعيدٍ صلبًا، لكن تحته، في الغيب الذي لا تراه العيون، قد يكون على شفا جرفٍ بدأ في التآكل.

ثم يأتي يومٌ لا يحتاج فيه هذا العرش إلى من يهدمه، يكفي فقط أن يميل قليلًا علي حافة الهاوية.

فأخطر ما في الاستدراج أن يظلّ المرء صاعدًا في عينيه، بينما هو — في ميزان السنن — قد بدأ منذ زمنٍ بعيدٍ رحلة السقوط نحو القاع وهو لا يشعر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع