حوارات

الشاعرة والروائية مناهل فتحي في حوار يعبر المطارات ولا يغادر المعنى:

أرفض أن أختبئ خلف حفاوة الخارج .. اعترافي الحقيقي أن تقرأني عطبرة

الشعر لا يخونني أبداً .. لكن الرواية تختبر صبري، والنقد يعلّمني الانضباط

الكاتب لا يخترع المجاز من فراغ .. بل يلتقط إشارات الواقع قبل أن تتحوّل إلى أحداث

حاورها – مجدي علي

في عطبرة، المدينة التي يعبرها القطار كل يوم محمّلًا بالحديد والحكايات، وُلدت مناهل فتحي. وهناك، في السابعة من عمرها، تسلّلت إليها الكلمة قبل أن تعرف اسمها الحقيقي: شِعر.

اليوم، وبعد أكثر من عقدين من الكتابة، يعرف المشهد الثقافي العربي مناهل فتحي الشاعرة والروائية والمترجمة والناقدة أكثر مما يعرفها كثيرون في بلدها؛ يتردّد اسمها في الشارقة وقطر وعجمان، وتُستحضر بوصفها أحد الأصوات النسائية اللافتة في خارطة الثقافة العربية المعاصرة. غير أن الباحث عنها في أرشيف الإعلام السوداني يصطدم بفقرٍ يستحق الوقوف عنده أكثر من أي تكريم.

هذه المفارقة بين حفاوة الخارج وصمت الداخل ليست تفصيلاً عابرًا في مسيرتها، بل جانبًا لافتًا فيها؛ شاعرة سودانية تُكرَّم في أماكن عدة، بينما يغيب التكريم في وطنها، وكأنّ المسافة التي توسّع صدى الشاعر تحجب صوته عن بيته.

من ديوانها الأول (أوجاع النساء)، إلى الثاني (كأنه هو)، مروراً بروايتي (شيكونغونيا) و(آماليا) التي بلغت القائمة النهائية لجائزة كتارا، وصولاً إلى قصائدها (أبنوسة) و(اغتراب)، يتجاوز هذا الحوار السيرة المكرّرة ليسأل عمّا لم يُسأل بعد..

كان نصيب هذا الحوار أنه جاء إلى مناهل في زمن أسفار، فتفرّقت أسئلته وأجوبته بين المطارات كما تتفرّق حياتها بين المدن والمواعيد؛ جاءت الإجابات متباعدة في المكان، متصلة في المعنى، كأنّ ابنة مدينة القطار ما زالت تعيش على إيقاع العبور.. وكأنّ الأسئلة كانت تعبر معها من مطار إلى آخر حتى اكتمل اللقاء..

عطبرة التي وُلدتِ فيها، مدينة القطار والعمال والتاريخ النقابي، كيف حضرت في وجدانكِ الشعري؟ وهل ثمّة قصيدة لم تُنشر بعد تحمل اسمها أو ملامحها؟

عطبرة لم تكن جغرافيا وُلدتُ فيها فحسب، بل لحظة تأسيسية للوعي، مدينة صُنعت من إيقاعين: صفير القطار الذي يمضي دائمًا، وصلابة العامل الذي يبقى ويقاوم. هذان الإيقاعان – الرحيل والثبات – صارا نبض قصيدتي، فتعلّمتُ من عطبرة أن الحركة والجذر وجهان لذات الكينونة، وأن النقابة شكل من أشكال الحب الجمعي يُمارَس بالتضامن. لا أستطيع أن أشير إلى قصيدة بعينها تحمل اسمها، لأن عطبرة ليست موضوعًا أكتب عنه، بل هي العدسة التي أرى بها كل شيء، حاضرة في كل قصيدة عن الفقد، لأنها علّمتني معنى الرحيل من محطة إلى أخرى، وحاضرة في كل قصيدة عن الانتماء، لأنها علّمتني أن الجذور يمكن أن تكون متحرّكة كالقطارات وثابتة كالتاريخ في آن واحد.

بدأتِ الكتابة في السابعة من عمركِ. أي ذكرى من تلك المرحلة ما زالت تحضر في نصوصكِ اليوم؟

كانت والدتي – رحمها الله – تأخذني إلى استوديو التلفاز لأسجل قصائدي في برنامج للأطفال، تشجيعًا على الكتابة. كانت أمّي، بصبرها ذاك، أول من صدّق أن الطفلة التي تخربش كلمات على الورق تستحق أن تُسمع. كل قصيدة أكتبها الآن، ثمّة صدى خفي فيها لتلك اليد التي كانت تمسك بيدي في طريقنا إلى الاستوديو، وكأنّ أمّي ما زالت، من مكان ما، تصطحبني نحو كل قصيدة جديدة.

بين (آمنة) و(ناتاليا) في (آماليا)، أين موقع مناهل فتحي نفسها؟ وهل كتبتِ محنتكِ الشخصية كمغتربة أم محنة جيل كامل؟

موقعي بين آمنة وناتاليا ليس نقطة ثابتة، بل هو ذلك الشرخ نفسه الذي يتشكّل منه اسم آماليا. أنا لست آمنة تمامًا، فقد غادرتُ ما يكفي لأفقد بعض يقينها الأول بالمكان، ولستُ ناتاليا تمامًا، فقد بقي فيّ ما يكفي من الوطن ليمنعني من الذوبان كليًا في المنفى. أنا، إن جاز التعبير، الاسم المركّب نفسه: نقطة الالتقاء التي لا تُختزل في أي من الطرفين، بل تتشكّل من التوتّر الدائم بينهما. وبهذا المعنى، لم أكتب محنتي الشخصية كمغتربة، بل استخدمتُ تجربتي الخاصة كبوابة إلى محنة أكبر: محنة جيل كامل يعيش الآن ازدواجية الانتماء، جيل يحمل في داخله أكثر من وطن واحد، وأكثر من لغة للحنين.

حين تكتبين عن (أبنوسة)، هل استحضرتِ وجهًا بعينه من عطبرة أو الخرطوم، أم أن الصورة تشكّلت من ذاكرة جمعية للمرأة السودانية؟

أبنوسة لم تُولد من وجه واحد، بل من تكثيف داخلي لملامح كثيرة التقيتها في عطبرة والخرطوم معًا: نساء رأيتهن يحملن البيت على أكتافهنّ دون أن ينحنين، لم أستحضر امرأة بعينها، بل استخلصتُ جوهرًا مشتركًا بينهنّ جميعًا.

تهتمين بقضايا المرأة عمومًا، هل ترين خصوصية لقضايا المرأة السودانية؟

المرأة السودانية تحمل خصوصية تشكّلت من تاريخ السودان وتنوّعه، ومن حضورها في الحياة العامة والعمل والأسرة، وعلاقتها بالأرض والنيل والهامش والمركز، ثم من ظروف الحرب والنزوح والفقد. وفي تقديري، لا تكمن خصوصيتها في كونها أكثر ألمًا من غيرها، وإنما في الطريقة التي تصوغ بها ألمها ومقاومتها وحضورها. هي تحمل ذاكرة الحرب والفقد، لكنها تحمل أيضًا ذاكرة القوة والعمل والاحتفاء بالحياة.

تعملين أخصائية في مختبر تشريح بمستشفى النور بأبو ظبي، عالم بعيد عن الاستعارة الشعرية. هل تسلّلت لغة أحد العالمين إلى الآخر؟

في مختبر التشريح، تعلّمتُ أن الجسد لغة أخرى، دقيقة وصارمة، لا تحتمل المجاز. لكن المفارقة أن هذه الصرامة نفسها هي ما تسلّل إلى شعري، فبدل أن أكتب عن القلب كرمز عاطفي مستهلك، صرتُ أراه عضلة تعمل بلا كلل، تضخّ الدم في صمت، وهذا المنظور “التشريحي” منحني استعارات أكثر صدقًا وأقل بلاغة زائفة عن الحياة والفناء.

تنقلتِ بين الشعر والرواية والنقد؛ أي هذه الأشكال تشعرين أنه يخونكِ أحيانًا، وأيها يبقى الأصدق في التعبير عن تجربتكِ؟

الشعر لا يخونني أبدًا، لأنه لا يعدني بشيء منذ البداية سوى اللحظة نفسها؛ هو الشكل الذي أثق به ثقة عمياء، لأنه صادق حتى في غموضه. أما الرواية فهي التي تخونني أحيانًا، لأنها تطلب مني صبرًا لست دائمًا أملكه، وهندسة زمنية تتناقض أحيانًا مع طبيعتي التي تفكّر ومضات لا فصولًا. أما النقد، فهو الأكثر غدرًا بيني وبين ذاتي، لأنه يفرض عليّ مسافة من نفسي، أن أرى النص – نصّي أو نص غيري – بعين باردة بعض الشيء، بينما أنا في العمق كائن حارّ الشعور. لكن هذا “الغدر” ذاته ضروري، فالنقد يعلّمني الانضباط الذي يحمي الشعر من الانفلات، والرواية تعلّمني الصبر الذي يمنح الفكرة عمرها الكامل.

(أوجاع النساء) حمل عنوانًا شديد الدلالة؛ ماذا كانت المرأة تعني لكِ حين كتبتِ الديوان؟ وهل تغيّر هذا المعنى اليوم؟

حين كتبتُ (أوجاع النساء)، كانت المرأة بالنسبة لي جرحًا جماعيًا أكثر منها فردًا: كانت كل امرأة رأيتها تُقهر بصمت، كل صوت خُنق قبل أن يكتمل، كل حلم أُجّل باسم الواجب. اليوم، لم يتغيّر هذا المعنى بقدر ما تعمّق وتعقّد. لم تعد المرأة في وعيي مجرد ضحية تستحق التعاطف، بل صارت أيضًا مساحة للمقاومة والتحوّل.. أرى الآن في الوجع نفسه بذرة وعي، وفي الصمت القديم مقدّمة لصوت قادم. لو أعدتُ كتابة الديوان اليوم، لكنتُ ربما سمّيته (أوجاع النساء وانتصاراتهن الصغيرة)، لأنني أدركتُ أن الألم لم يكن يومًا نهاية القصة، بل بدايتها.

(بعض هذا الرماد) عنوان روايتكِ الثانية؛ هل تشعرين اليوم أن بعض ما كتبتِه مجازًا قبل الحرب أصبح يُقرأ وكأنّه وصف حرفي لواقع لم يكن قد وقع بعد؟

نعم، وبصراحة، هذا الشعور يخيفني أكثر مما يشرّفني. حين كتبتُ (بعض هذا الرماد)، كان الرماد عندي استعارة عن الفقد الداخلي، عن الأشياء التي تحترق فينا دون أن نراها.. الأحلام المؤجّلة، العلاقات المتآكلة، الذات التي تحترق ببطء تحت وطأة الحياة اليومية. لم أكن أتخيل أن هذا الرماد سيصبح يومًا وصفًا حرفيًا لأحياء محترقة وبيوت تحوّلت إلى ركام فعلي. هذه التجربة علّمتني أن الكاتب أحيانًا لا يخترع المجاز من فراغ، بل يلتقط، دون وعي كامل منه، اهتزازات مبكّرة في جسد الواقع، إشارات لم تتشكّل بعد كحدث لكنها موجودة كإمكانية أو كخوف جمعي كامن. لكنني أرفض أن أسمّي هذا “نبوءة”، لأن في الكلمة تعاليًا لا أطمح إليه؛ أفضّل أن أسمّيه إصغاء، فالشاعر أو الروائي الحقيقي مصغٍ دائم لما لم يُقل بعد، وأحيانًا يسبق وعيه اللغوي الحدثَ نفسه، لا لأنه يتنبأ، بل لأن اللغة نفسها تحمل في داخلها بذور كل الاحتمالات، المرعب منها والمنقذ. اليوم، حين أعيد قراءة تلك الصفحات، أشعر بحزن مضاعف، حزن الاستعارة الأولى، وحزن أن الواقع تجاوز خيالي المجازي بمسافة مؤلمة.

يعيش السودان مأساة إنسانية، كيف تنظرين إلى هذه المأساة، وهل يستطيع الشعر أن يكون شاهدًا في لحظات كهذه؟

نعم، تحدث في السودان مأساة إنسانية تمس الحياة اليومية وتهدّد الأمان والانتماء، والنساء يدفعن ثمنًا قاسيًا من الفقد والنزوح والخوف وتفكّك الأسر. الشعر لا يستطيع إيقاف الحرب، لكنه يستطيع أن يمنع المأساة من أن تصبح رقمًا عابرًا، ويحفظ ما تعجز الوثيقة أحيانًا عن حفظه.. ارتجافة الخوف، وذاكرة البيت، وغياب الأحبّة، وصوت المرأة وهي تحمي ما تبقى من حياتها وكرامتها.

أصدرتِ كتابًا نقديًا عن ترجمة الشعر السوداني؛ هل ترين أن الترجمة نفسها فعل توثيق وإنقاذ، أم أنها تُفقد النص شيئًا من روحه المحلية لا يمكن تعويضه؟

أرى أن الترجمة، في حالة الشعر السوداني تحديدًا، فعلان متزامنان لا فعل واحد، هي إنقاذ بقدر ما هي فقدان، وهذا التناقض ليس عيبًا في الترجمة بل هو طبيعتها الجوهرية. حين نترجم قصيدة سودانية إلى لغة أخرى، ننقذها من عزلة محلية قد تحكم عليها بالنسيان خارج حدودها، ونمنحها فرصة أن تعيش في وعي قارئ لم يكن ليعرفها أبدًا.

لكن في المقابل، هناك ما يُفقد فعلًا ولا يُعوَّض، الإيقاع الخاص بالعامية السودانية، رائحة المكان في مفردة بعينها، الصدى الثقافي لصورة لا يفهمها إلا من عاش قرب النيل أو سمع أغنية حقيبة. لذلك، أميل إلى القول إن الترجمة الجيّدة للشعر السوداني ليست نقلًا أمينًا بالمعنى الحرفي، بل عملية حِداد واعية، أن يقبل المترجم أنه سيخسر شيئًا جوهريًا، وأن يسعى، رغم هذا اليقين بالخسارة، إلى أن يمنح النص حياة ثانية تستحق العيش، حتى لو كانت حياة منقوصة الذاكرة الأصلية.

حصلتِ على المركز الخامس في (أمير الشعراء) 2015، ووصلت قصيدتكِ إلى نهائيات (كتارا) 2016؛ ماذا بقي من تلك التجارب في علاقتكِ بالمنبر والجمهور؟

ما بقي من تلك التجارب ليس المراكز ولا الأضواء، بل ذلك الاكتشاف المبكّر بأن القصيدة، مهما بدت شخصية أو مغلقة على تجربتي الخاصة، قادرة على أن تجد صدى في قاعة مكتظّة بغرباء لا يعرفون شيئًا عنّي. في (أمير الشعراء) و(كتارا)، تعلّمتُ أن المنبر ليس خصمًا للحميمية الشعرية كما كنت أتصوّر، بل اختبار قاسٍ لصدقها، فالقصيدة التي تصمد أمام جمهور مباشر، بأنفاسه وصمته وتصفيقه المتفاوت، هي قصيدة اجتازت امتحانًا لا يقل صرامة عن امتحان الورقة والقلم.

لكن تلك التجربة علّمتني أيضًا حذرًا ضروريًا، أن المنبر يمنح إغراء التصفيق الفوري، وهذا الإغراء قد يدفع الشاعر أحيانًا، دون أن يشعر، إلى كتابة ما يُصفَّق له بدل ما يجب أن يُقال.

تُستضافين وتُكرَّمين عربيًا، لكن حين يعود اسمكِ إلى أرشيف الصحافة السودانية، ماذا يكشف هذا الغياب؟ وهل هو خلل في الإعلام السوداني، أم أن حفاوة الخارج أراحتكِ من مساءلته؟

حين أبحث عن اسمي في أرشيف الصحافة السودانية، أجد فراغًا أكبر مما أتمناه، وصمتًا لا يخلو من مرارة. وسؤالك يضعني أمام مفارقة لا أستطيع أن أتهرّب منها.. هل حفاوة الخارج كانت تكريمًا حقيقيًا، أم كانت، في جزء منها، مسكّنًا أراحني من مواجهة هذا الغياب الداخلي؟ أظن أن الإجابة الصادقة هي قليلًا من هذا وقليلًا من ذاك.

المشكلة، في تقديري، ليست فردية بقدر ما هي بنيوية: الإعلام الثقافي السوداني نفسه يعاني من هشاشة الأرشفة، من انقطاعات سياسية واقتصادية أثّرت على استمرارية المؤسّسات الصحفية والثقافية، فصار كثير من المبدعين السودانيين – لا أنا وحدي – يُعرَفون خارج بلدهم قبل أن يُوثَّقوا داخله. لكنّني أرفض أن أختبئ خلف حفاوة الخارج لأتناسى هذا السؤال. أعرف أن الاعتراف الحقيقي الذي أطمح إليه ليس جائزة في الخليج، بل أن تقرأني عطبرة نفسها، أن يجد اسمي مكانًا في الذاكرة الصحفية لمدينتي قبل أي مكان آخر. وهذا سؤال ما زلت أحمله كدَيْن لم أسدّده بعد لبلدي.

أنتِ غائبة عمدًا عن منصّات التواصل الاجتماعي، رغم أنها المنبر الأول اليوم لوصول الشاعر إلى جمهوره. هل هذا امتداد لغياب أوسع عن المشهد السوداني؟

غيابي عن منصّات التواصل ليس امتدادًا لغياب أوسع، بل هو، على العكس، محاولة للحفاظ على حضور من نوع آخر.. حضور في العمق لا في الواجهة. أنا لا أخشى الظهور، لكنني أخشى أن يتحوّل الشعر، في فضاء يكافئ السرعة والاستهلاك اللحظي، إلى مجرد “منشور” يُقرأ في ثوانٍ ويُنسى في دقائق، بينما القصيدة عندي كائن يحتاج وقتًا ليُقرأ، وصمتًا ليُفهم، ومسافة ليُستوعب.

لو كتبتِ رسالة قصيرة – لا قصيدة – إلى عطبرة كما هي اليوم، لا كما تتذكرينها، ماذا ستقولين لها في آخر جملة؟

“لم أعد أعرف أي قطاراتك ما زالت تمر، يا مدينتي، لكنني ما زلت أعرف صوت الغياب حين يشبهكِ..”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع