مقالات

التناقض في موقف من المقترح الأمريكي

أشرف عبدالعزيز

تظهر الساحة السياسية والدبلوماسية السودانية حالة من الانقسام والتناقض الظاهر في التعاطي مع التحركات الدولية المتجددة لإيقاف الحرب، وتحديداً تجاه المقترح الأمريكي الأخير المقدم للحكومة السودانية لاستعادة السلام.

المقترح المكون من حزمة كاملة تشمل هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً وآلية مراقبة أممية وإفريقية وعربية، يرافقه نص على انسحابات محدودة وحوار مدني وتشكيل حكومة انتقالية، يعيد فتح ملف التعاطي الرسمي مع المبادرات الخارجية بين إبداء المرونة والدفع السياسي المضاد.

تكمن إشكالية التعاطي الرسمي السوداني مع المقترح الأمريكي الأخير في محاولة الموازنة المعقدة بين مقتضيات المناورة الدبلوماسية وضغوط الحاضنة الشعبية والعسكرية والعملياتية الميدانية، وهو ما يخلق انطباعاً بالتناقض المقوَّم استراتيجياً بين الدبلوماسية المرنة والتعبئة المضادة.

يسعى الخطاب الرسمي الخارجي للتحرك في مساحة المرونة لتفادي عزلة دولية حادة، وقطع الطريق أمام أي عقوبات قد تطال قيادات الدولة والجيش، إضافة إلى الإبقاء على خطوط التواصل مفتوحة مع واشنطن والمؤسسات الدولية والإقليمية للتمسك بشرعية مؤسسات الدولة مقابل قوى الأمر الواقع.

تهدف هذه المرونة أيضاً إلى استثمار عامل الوقت عبر التفاوض التفصيلي حول آليات المراقبة وجداول التنفيذ كفرصة لتحسين التموضع الميداني وتعديل اختلالات القوة في مختلف جبهات القتال.

في المقابل، يتغذى الخطاب الداخلي والتعبئة المضادة من كوابح عسكرية وسياسية صلبة ترفض إنهاء الحرب بشروط تراها مجحفة، وتأتي في مقدمتها العقدة التكتيكية المرتبطة بشرط الانسحاب الشامل لقوات الدعم السريع من الأعيان المدنية والمدن الكبرى التي سيطرت عليها، بدلاً من الانسحابات الجزئية أو المحدودة المطروحة أمريكياً، والتي تنظر إليها السلطة باعتبارها مكافأة للدعم السريع وشرعنة لوجودها الميداني.

تبرز كذلك ضغوط الحاضنة الشعبية والعسكرية الراديكالية التي ترى في أي هدنة فرصة مجانية للدعم السريع لالتقاط الأنفاس وإعادة التزود بالسلاح والمقاتلين، بجانب التوجس السيادي العميق من إدخال قوات مراقبة دولية أو إقليمية قد تحد من حرية حركة القوات المسلحة على الأراضي الوطنية.

تُدار هذه المعادلة عبر استراتيجية مزدوجة تستوعب المبادرات الدولية من خلال تقديم تعديلات وأوراق عمل مستمرة لمنع الاستعداد الدبلوماسي، بالتوازي مع التجييش الداخلي لشحن الشارع والمؤسسات القتالية لرفع سقف التفاوض وضمان التماسك الميداني.

غير أن استمرار هذا المسار المزدوج يضع سلطة الأمر الواقع أمام هامش مناورة يزداد ضيقاً، حيث تلوح في الأفق خيارات حادة ومكلفة، إما المضي قدماً في التسوية ومواجهة تصدعات داخلية جارفة في حاضنتها الداعمة، أو الانحياز الكامل لخط التعبئة العسكرية والمخاطرة بعزلة دولية شاملة وعقوبات قاسية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع