نثمن عالياً جهود أمريكا في ابتدار ورعاية الوصول لحل سلمي للصراع في السودان، ونحن بغاية الإمتنان والتقدير لهذا الدور المهم بالوقت المناسب، وهو يشبه توقعات ثقافتنا المحلية، حيث يقف الأصدقاء بقوة مع أقرانهم وذويهم في أوقات المحن العظام، وصولاً للاستقرار المنشود.
ظلت المنابر التي تشارك بها الولايات المتحدة أو تلك التي ترعاها تبث موجات من الأمل لجموع السودانيين بأن فجر الخلاص قد أقترب، لكن القيود التي ابتكرها طرفا الصراع لتخطي الضغوط والالتفاف على الالتزمات، افقدت الشارع العام الثقة من جدواها.
طالما أرسل الطرفان وفود تفاوض تنتمي تنظيمياً لتنظيم الحركة الإسلامية بالسودان، حيث يعتمد قادة القوات المسلحة على عناصر من فصائل المؤتمر الوطني، وبالمقابل يرسل الدعم السريع كوادر المؤتمر الشعبي، وهما الفصيلان الرئيسيان بتنظيم الإخوان المسلمين النشطة في السودان.
لم تبدأ موجات الصراع بين الفصيلين في العام 2023، بل لها جذور تاريخية حيث خرجت الأزمة للعلن لأول مرة بدارفور في العام 1992، على شكل حركة مسلحة عبرت عن الصراع بقيادة يحيى بولاد، ومن ثم مفاصلة الخرطوم الشهيرة بالعام 1999، وغيرها من الأحداث.
وفود التفاوض لها اجندة تنظيمية تتفوق بسنين ضوئية عن الأجندة الوطنية، فهم يريدون تصدير الأزمة الداخلية بالتنظيم للمجتمع الدولي ومن ثم تحميله تكلفة الحفاظ على تماسك الحركة الاسلامية، لعدم قدرتهم على البقاء بعيداً عن السلطة، حيث الموارد الكافية للصرف على الأداء التنفيذي.
إن التحول غير المدروس لتنظيم الإخوان المسلمين من حركة سياسية إلى عصابة لها مليشيات وأجهزة سرية ذات طابع عسكري وشبه عسكري، جعلها عالة لا تطاق على الاقتصاد، وهي الآن في حالة زهو باختطافها للسودان ارضاً وشعباً كرهائن للتفاوض مع العالم الحر من أجل المشروعية.
إن الاعتراف بعناصر الاخوان المسلمين بالفصيلين المتشاكسين تكتيكياً، والمتماهين استراتيجياً، كممثلين لطرفي الصراع، يجعل من فرص الوصول لحل سلمي لهو حلم بعيد المنال وليس محل رغبة للوفود المشاركة.
نعم للفصيلين وجود بطرفي الصراع لكنه وجود مخادع ولا يمثل ثقلا اساسيا، ويمكن التخلص منه بسهولة، وفتح المجال أمام ايقاف تام للعمليات العسكرية منذ أول جولة ومن ثم إبتدار عملية سياسية جادة تتيح للقوى الديمقراطية مساحة لقيادة جهود إعادة الإعمار وتكملة الانتقال.
إن مشاركة طرفي الصراع بوفود تضم عناصر الفصيلين (الوطني والشعبي) يعني رغبتهما الضمنية، افشال منبر سويسرا كما فعلا مع المبادرات الإقليمية الأخرى، كما تعد مشاركة الحلفاء التابعين بطاعة لطرفي الصراع، مجرد مناورة لإضاعة الوقت.
يعقد السودانيون آمالاً كبيرة على منبر أغسطس القادم لإنهاء كافة العمليات العسكرية وبدء عملية واسعة النطاق للإغاثة، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار والتحول الديمقراطي.
(*) باحث بمركز السياسات العامة- السودان



