مقالات

حداثة مصطفى ورهافة العميري (3/1) 

صلاح شعيب

نحاول بحث المشتركات بين الراحل مصطفي سيد أحمد وبين زميله المبدع الراحل عبد العزيز العميري. وكلاهما قد رحلا في سن مبكرة بعد أن شغلا الساحة الغنائية والثقافية بكثير من إبداعاتهما. فهما قد درسا في المعهد العالي للموسيقى والمسرح.

 

إذ كان العميري قد تخرج في مجال التمثيل بينما لم يكمل مصطفى أعوامه الأكاديمية لظروف شتى. ولكنهما نجحا بدرجة قصوى في توظيف المواد العلمية التي تحصلا عليها. فقد استفاد مصطفى من دراسة الصوت، ومن ثم انفتح المجال أمامه للتلحين، وتطوير قدرات الاستبصار الفني، وأدائه الصوتي، وشكل تصوره لكيفية تخلق الموتيفات اللحنية في تفاعلها مع الإيقاع. على أن العميري برع في مجال التمثيل، والإخراج، وانفتح أيضا أمامه مجال لتطوير أدائه المسرحي، وشحذ أخيلته الشعرية.

 

ولو أن مصطفى لم يكن بعيدا عن المسرح، وقد مارس بعض التمثيل، وشارك بصوته في مسرحيات “دنيا صفا وانتباه” و”ضو البيت” فقد وقفنا على أعمال العميري من خلال أبرز مساهماته في “وادي أم سدر” و”تاجوج” و”المهدي في ضواحي الخرطوم”، وكذلك محطة التلفزيون الأهلية في مستهل ثمانينات القرن الماضي. وبرغم وضوح تأثرهما بالأدب، والشعر، ولكنهما جلسا لامتحان الشهادة السودانية عبر المساق الفني. ولاحقا عملا في مصنع النسيج السوداني لكونهما من هواة الرسم، ولكن لصعوبة حصر مبدعين مثلهما في زمن الوظيفة، وطبيعة روح التمرد التي سمت شخصيتهما، لم يستمرا طويلا.

وبرغم قصر عمرهما الفني، فإن الاثنين شكلا تجربتين متمايزتين في حقل الشعر، والغناء، والمسرح. فأفضل ما يقوله نقادهما إنهما منحا المبدعين الآتين بعدهما واحة للتأمل، والاستزادة، والإلهام. فكل من دخل مجال الإبداع ليضيف بحاجة، حقا، إلى إدراك سيرتهما الذاتية حتى إن لم يستسغ إبداعهما.

 

وذلك لمعرفة سر تميزهما، وكيف أن الإبداع لا يقاس بالتراكم فحسب، وإنما بالنوع أيضا، وكيف أن هناك كثيرين يهدرون طاقتهما في التقليد، والتأليف، دون أن يدركوا سر الصنعة، أو الذهنية التي ينتخبون لها الأعمال الفنية. ذلك باعتبار أن مصطفى والعميري أدركا جماليات اللحن قبل أن ينهلا من معين الحداثة بمهارة، ولقد حاولا تطبيق ثيماتها على تلك الحقول الفنية بشكل عميق، ومرتبط بالسودانوية، أشد الارتباط.

 

إنهما قبل أن يكملا الثلاثين من العمر بدت شهرتهما ذائعة الصيت، وعرفا بأنهما يملكان أجمل الأصوات التي أعقبت الجيل السابق. بل إن أعمالهما الخاصة تجاوزت العشرات، هذا فضلا عن هوايات فرعية أخرى.

 

ويبدو أن مصطفى والعميري كتبا الشعر الذي يبني فوق تراث الشعر الغنائي الذي تعارفنا عليه عبر ما نسميها أغنية أمدرمان. لم يكن العميري ملحنا بذات الطريقة الكثيفة التي أتبعها مصطفى. ولكنه كان يكثف في كتابة الشعر العميق، والجزل المعاني.

 

وكما يعلم الكثيرون أن مصطفى غنى واحدة من أجمل كلمات العميري وهي “في الممشى العريض” وكذلك غنى له حمد الريح وسيف الجامعة “يا نديدي”، وآخرون. وربما لو امتد الزمن به لشهدنا نضوجا في تصوراته اللحنية خصوصا وأنه قد مات عند الخامسة والثلاثين من العمر.

 

ولعلنا ندرك أن مصطفى نفسه قد شكل قفزة نوعية في أعماله الباكرة حين بلغ من العمر ثلاثة عقود. ولكن يبدو أن القدر لم يمهل المبدعين ليعيشا عمرا مديدا لنرى ما إذا كانا سيضاعفان أعمالهما الغنائية، والشعرية، والمسرحية، ويواصلان تجويد التنغيم . فهما يمتازان بقدرة عالية على إحداث التطريب نظرا للمدى الصوتي العالي الذي يتبدى في غنائهما، وربما يمثل هذا الأمر النقطة المحورية في كل تاريخهما الفني.

 

الأستاذ يوسف الموصلي الذي قام بتوزيع إلبومي “الحزن النبيل” و”البت الحديقة، فضلا عن علاقته التي كانت ممتدة بالعميري، لا شك أنه الأقدر على فذلكة هذا الحكم الفني العلمي.

 

فالموصلي يقول إنه “ليس من الصعوبة بمكان المقارنة بين صوتي الراحلين مصطفى سيد أحمد وعبد العزيز العميري، فهما يلتقيان في منطقة القرار الأعلى الذي اصطلح عليه بـ”باريتون”، حيث يتساويان..بينما العميري أعمق في هذه المنطقة، غير أن صوت مصطفى يمتد حتى إلى منطقة “التينور الأول” مثلما اصطلح الموسيقيون..ويتفوق مصطفى في أداء المقامات غير الخماسية، لذا فهو يتميز عن عميري باتساع المساحة، بل وقوة الصوت، وعلى كل فإن صوتيهما في رأيي جميلان، وعميقان، ومعبران الى الحد البعيد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى