
لأول مرّة نشهد رئيسًا لمفوضية الاتحاد الإفريقي يردّ مباشرةً على رئيسٍ أمريكي، في سابقةٍ تعكس تبدّلًا واضحًا في مزاج القارّة وموقعها من الخطاب الغربي.
فقد أدلى دونالد ترامب بتصريح أثار عاصفة داخل نيجيريا، ويهددّ الآن بتفكيك ما تبقّى من تماسكها الاجتماعي، بل أعاد إلى الواجهة احتمالات إحياء ملف انفصال بيافرا من جديد. قال ترامب إنّ «المسيحية تواجه تهديدًا وجوديًا في نيجيريا، وإن آلاف المسيحيين يبادون على يد متطرّفين إسلاميين مسؤولين عن مذبحة جماعية، وأمر بإعداد خطة عسكرية لتدخل محتمل في نيجيريا لإنقاذ المسيحيين» — وهي رواية محمّلة بأبعاد أيديولوجية وسياسية تتجاوز ظاهرها الديني.
غير أنّ الردّ جاء هذه المرّة حاسمًا من داخل القارة نفسها؛ إذ قال محمود علي يوسف، رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي:
«لا وجود لإبادة جماعية في نيجيريا، وعليك أن تفكّر مليًا؛ قبل إطلاق مثل هذه التصريحات؛ فأوّل ضحايا بوكو حرام الإرهابية هم المسلمون وليس المسيحيين.»
ولعلّ أهم ما في هذا الردّ ليس مضمونه فحسب، بل جرأته؛ فهذه أوّل مرّة يواجه فيها مسؤول إفريقي رئيسًا أمريكيًا بهذه الصراحة، ويطالبه — ضمنًا — أن يفكّر قبل إطلاق أحكامه جزافًا بأسلوب ابتزازي، وكلنا نعلم أنّ التفكير المليّ ليس من نقاط قوة ترامب.

أما الحقيقة الأعمق التي يجهلها أغلبكم، هي أنّ الحملة الإعلامية والدبلوماسية الأمريكية–الإسرائيلية على نيجيريا، وتلويح ترامب بتدخّل عسكري صريح في تجاوزٍ لسيادة دولة كبيرة في أفريقيا مثل نيجيريا، ليست سوى طبقات متراكبة من الابتزاز، منها: طبقة أيديولوجية تُحرّكها رواية “اضطهاد المسيحيين”، وطبقة مرتبطة بحرب غزة وحسابات إسرائيل، وطبقة ثالثة جيو–استراتيجية تدور حول الصين والدولار ومستقبل موازين القوة في غرب أفريقيا.
وحتمًا ستسألون: أين التحليل الجيوسياسي الشامل لما أقول؟ أطمئنكم أنّي فرغت من كتابته وسيُنشر قريبًا، وأعدكم أنّه سيكون على قدر توقعاتكم.
وحتى يحين ذلك، يمكن القول بثقة إنّنا أمام تحوّل مهم داخل الاتحاد الإفريقي؛ لقد انتخبنا الرجل المناسب، فاختيار محمود علي يوسف يبدو قرارًا في مكانه، بعد سنوات من رئاسة موسى فكي التي اتسمت بالمواءمة مع واشنطن، وكادت — لولا الضغوط — أن تفتح باب الاتحاد أمام إسرائيل بصفة مراقب.



