منوعات

الأرض والتاريخ بين خطاب الأدب وصراع السياسة

حامد بخيت الشريف

أكرمني الصديق محمود الشين بالحصول على كتابه جبال النوبة – سنوات الخوف ، وبمجرد فتح الكتاب انتبهت الى حقيقة ظلت غائبة عني طوال صلتي به ، فقد كنت اشعر دائما أن هناك حقيقة غائبة فيما يصل بيني وبين محمود من وشائج ، كنت كثيرا ما انتبه الى تشابه في طرائق تفكيرنا لكنني كنت دائما أرجعها الى اهتماماتنا باعتبار انتمائنا الى الكتابة ، لكنني تفاجأت بأن ما يصل بيننا لم يكن فقط الكتابة ، لكنه امر ممتد من حيث اشتراكنا في الجغرافيا.

والأصدقاء ، فقد ذكر محمود من بين من ذكر من أصدقائه أسماء ، التوم علي الفضل ، هيثم عبد الله ، احمد الفضل ، علي كباشي ، وهؤلاء الأربعة هم أصدقائي وأبناء عشيرتي ، فضلا عن ذكره لأسرة عمنا الفايق وأنا الذي تربيت رفقة أبناءه ، محمد ، وشايب ،ويحيى ، وعبد الرحمن ، وآدم ، والطيب.

اذا ما يجمعني مع محمود تجاوز حدود الهم المشترك الى المشرب الواحد.

في كتابه جبال النوبة – سنوات الخوف يقدّم الكاتب الصديق محمود الشين نصًا مركّبًا ينهض على تقاطع السيرة الذاتية مع التوثيق السياسي، ويستعيد من خلاله تجربة شخصية عاشها في قلب فضاء الحرب السودانية ويعمد الى تحويلها إلى شهادة جماعية عن الخوف والذاكرة والهوية.

فما بين سرد الهوية ومأساة الدولة يكتب محمود الشين نصا ينهض بنفسه من موقع الشاهد العيان، حيث يظهر السارد-الكاتب كطالب عاش تفاصيل الطريق والطوف العسكري والمدن المهددة، ويحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة سردية مشبعة بالقلق والانتظار.
يستخدم الشين تقنية سردية تقوم على التقطيع الفصلي بعناوين مكثفة هي أشبه ما تكون بالشعارات السياسية، مثل “نهاية حزينة” أو “حرب الجواسيس”، وهذه العناوين تفتح النص على أفق جدلي أكثر من كونه سردا تقليديا ، حيث يتداخل الاعتراف الشخصي مع الوثيقة التاريخية في السرد ، من خلال استشهاد الكاتب بكتابات وأسماء مثقفين مثل أبيل ألير ويوسف عبد المنان، هذا التداخل خلق نصًا هجينًا يجمع بين التجربة الفردية التوثيق.

من براعة لغة الكتاب أنها استطاعت التمهيد الى فهم الذاكرة الجمعية، فهي لغة فصحى مزجت بذكاء بعامية سودانية، ما منح النص طابعًا مزدوجًا بين التوثيق والاعتراف الشخصي فالجمل الطويلة، المتشابكة، حملت نفسًا خطابيًا استطاع أن يعكس جو الحرب والقلق، ويخلق إحساسًا بالاختناق المقصود الذي يحاكي عبارة “سنوات الخوف” بينما تنتقل ذات اللغة من الوصف الخارجي للمدن والطرق والأحداث إلى التأمل الداخلي في الهوية والأسئلة الوجودية، ما يشحن النص بطاقة شعرية هائلة فضلا عن أن كثرة الإشارات إلى أسماء أشخاص وأماكن وصحف وأحداث سياسية تجعل اللغة محمّلة بالمعرفة المحلية، وتؤكد انغراس النص في سياقه السوداني، بحيث يصعب فصله عن بيئته الثقافية والاجتماعية.

يبدأ تسلسل الأحداث في الكتاب من الذاكرة الشخصية، حيث يبتدر محمود الحكاية بسرد مخاوف العائلات من الدراسة في جبال النوبة- حسب تأثرهم بخطاب الإعلام والذي خلق تصوراتهم لفكرة التوتر والحرب في جبال النوبة ، ثم ينتقل إلى مشاهد الطريق والطوف العسكري بين الدلنج وكادقلي، ويصف الإجراءات الأمنية الصارمة ( والكمين ) المحتمل ، قبل أن يتوسع إلى التجربة الجماعية عبر قصص الأهالي والطلاب والأسواق والمقاهي، حيث تتداخل قصص الحياة اليومية مع الحرب ولا يغفل محمود في ذلك كله أن يغذي سرده بتأملات سياسية وثقافية، ونقد للأنظمة المتعاقبة وللإعلام الرسمي وغياب التخطيط الثقافي، كل ذلك يقود النص إلى خلاصة وجودية تجعل من الأرض والتاريخ جوهر الهوية، ومن الخوف حالة وجودية.

بهذا المعنى، يمكن القول إن كتاب محمود الشين جبال النوبة – سنوات الخوف يمكن قراءته بأنه نصًا هجينا، يجمع بين السيرة والوثيقة، حيث تتحول رحلة محمود الشخصية إلى شهادة جماعية، تجعل من جبال النوبة رمزًا للتنوع السوداني المهدور.

شكرا محمود الشين على إيقاظك لذاكرتنا ولمس مخاوفنا من هدر الهوية في الآن ذاته

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى