مقالات

جدل العلم والسودان 

مشاعر متناقضة … وطن يبحث عن صورته

عبد الجليل سليمان

في بلدٍ تلتبس فيه الأزمنة كما يلتبس الغبار بضوء الصباح، تتولّد داخل الناس مشاعر متناقضة يصعب الإمساك بها.

يشترك الجميع في هذا الاضطراب الخفي، رغبة في الإمساك بمعنى، وخشية من اكتشافه. وبين هذه وتلك، يقف السودان على عتبة أسئلة قديمة بثياب جديدة، تلمع أحيانًا وتخبو أحيانًا، لكنها لا تموت.

في الأيام الماضية، انجرف السودانيون إلى جدلٍ جانبي بدا صغيرًا في مظهره، لكنه متشعب في جذوره؛ “تغيير العلم”.

ما إن طرح قائد الجيش الاقتراح حتى انفتح باباً واسعاً للنقاش، وكأن البلاد كانت تنتظره لتفرغ ما تراكم ووقر واستقر في صدرها من حِمم هوياتية.

فريق رأى أن العلم الحالي مرتبط بخيارات سياسية لا تعبّر عن الجميع، وفريق آخر اعتبر أن العودة إلى العلم القديم استعادة لروحٍ غابت، وثالث ذهب أبعد من ذلك وسأل: ولماذا لا نغيّر اسم البلاد أصلًا؟

يبدو الجدل بسيطًا، لكنه في عمقه مرآة لوطنٍ لم يحسم علاقته بنفسه بعد.

منذ عقود، يتكرر هذا الميل إلى إعادة تشكيل الرموز، علمٌ يُستبدل، اسمٌ يُقترح تغييره، سرديةٌ تُعاد صياغتها. وبين كل موجة وأخرى، يطلّ الحنين إلى السلطنة الزرقاء — السلطنة السوداء، وكأن الأمر يبدو هروبًا من السواد الراهن (السودان) إلى السواد التاريخي (سنار / السلطنة الزرقاء)، فأين المفر؟

لكن التاريخ لا يعود بالتمنّي، والهوية لا تُخاط بالخيوط القديمة.

من يحلمون بالرجوع إلى السلطنة الزرقاء، يفعلون ذلك لأن الحاضر مخنوق، ولأن الواقع فقد صوته، ولأن الناس يبحثون عن صورةٍ يقفون داخلها بثبات. غير أنّ الهروب إلى الماضي يشبه محاولة ارتداء ثوبٍ صنع لزمن آخر؛ لا يستقيم على الجسد مهما بدا جميلًا.

المسألة في جوهرها ليست علمًا ولا اسمًا. إنها سؤالٌ عن معنى الانتماء في لحظة يمزّقها الصراع، ويُعاد فيها توزيع الولاءات والذكريات والرموز. هي مشاعر متناقضة تتصارع داخل الناس: بين رغبة في ترميم الذات، ورغبة في الهروب منها؛ بين الاحتفاظ بما يرمز إليهم، والبحث عن رمزٍ جديد يداوي ما انكسر.

وحتى يجد السودان صورته، سيبقى هذا التناقض يطلّ علينا كظلٍّ لا يفارق… يذكّرنا بأن الهوية لا تُعاد صياغتها بقرارٍ، بل تُبنى بالصدق، وبالقدرة على النظر إلى الذات كما هي، لا كما نتمنى أن تكون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى