
دخل السودان عام 2025 على وقع استمرار العملية العسكرية متعددة المحاور التي أطلقها الجيش في أيلول/سبتمبر 2024، بعد نحو عام ونصف من التراجع الميداني لصالح قوات الدعم السريع. في مطلع العام، كانت وحدات الجيش قد عبرت بالفعل جسور أم درمان باتجاه الخرطوم والخرطوم بحري، بالتوازي مع تقدم لافت في محاور الوسط، ولا سيما ولايتي الجزيرة وسنار، في تحول ميداني أعاد رسم خريطة السيطرة في ظل حرب ضروس ونزوح ولجوء متزايد للسودانيين.
وتُوّج هذا التقدم للجيش السوداني باستعادة مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، في 11 كانون الثاني/يناير 2025، وسط تفاعل شعبي واسع. وجاءت هذه الاستعادة في سياق غضب مجتمعي متصاعد غذته عمليات التهجير القسري والقتل الجماعي التي نُسبت إلى قوات الدعم السريع في الولاية، حيث شهدت القرى الآمنة والقلب الزراعي للسودان مجازر غير مسبوقة وأعمالًا انتقامية دفعت قطاعات واسعة من المدنيين إلى الاصطفاف ضد هذه القوات.
استعادة الوسط
وعقب استعادة ود مدني، واصلت القوات المسلحة السودانية تقدمها عبر قرى ولاية الجزيرة في طريقها نحو العاصمة، فاستعادت مدينة الكاملين وعددًا من القرى الصغيرة حتى تخوم الخرطوم خلال شباط/فبراير. وفي الوقت ذاته، استمرت العمليات العسكرية في أم درمان والخرطوم بحري، مستهدفة مناطق تمركز الدعم السريع في الشقلة وكافوري، ضمن معارك اتسمت بالحركة والمناورة، من كر وفر، وسيطرة وانسحاب متبادل، وهي سمة طبعت مجمل معارك العام.
ولم تقتصر المواجهات على الخرطوم والجزيرة، إذ برزت ولاية سنار بوصفها إحدى ساحات الحسم. ففي 5 آذار/مارس 2025، أعلن الجيش سيطرته الكاملة على الولاية، وطرد ما تبقى من قوات الدعم السريع من قريتي الدالي والمزموم على الحدود الجنوبية المتاخمة لجمهورية جنوب السودان.

وشهد الشهر ذاته أكبر اختراق ميداني للجيش منذ اندلاع الحرب. ففي 26 آذار/مارس، أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بجملتين مقتضبتين: “الخرطوم حرة. انتهى الأمر”، فتح الباب أمام استعادة العاصمة بالكامل. وجاء هذا الإعلان عقب دخول قوات الجيش إلى القصر الجمهوري، رمز السيادة الوطنية، في نصر ذي قيمة معنوية عالية، أسفر عن تراجع قوات الدعم السريع إلى جيوب محدودة بعدما كانت تسيطر على معظم محليات الولاية الأهم في البلاد.
دارفور وكردفان
في المقابل، سعت قوات الدعم السريع، التي تراجعت في مناطق الوسط، إلى إعادة تثبيت نفوذها في غرب وجنوب السودان، لا سيما إقليمي دارفور وكردفان. وكثفت هجماتها على مدينة الفاشر، آخر عواصم دارفور التي بقيت تحت سيطرة الجيش والقوات المتحالفة معه، ما أدى إلى اندلاع أعنف الاشتباكات في مخيمات النزوح المحيطة بالمدينة. وفي منتصف نيسان/أبريل 2025، سيطرت الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين، وسط تقارير أممية أفادت بمقتل أكثر من ألف مدني خلال الاجتياح، بينهم عاملون في المجال الإنساني ومتطوعون.
ومع اتسام النصف الأول من العام بتراجع الدعم السريع في عدد من الجبهات المحورية، خصوصًا بعد إعلان العاصمة القومية خالية من وجودها العسكري، دخلت التكنولوجيا الحربية المتقدمة على خط الصراع. ولجأت هذه القوات إلى قصف المدن البعيدة عن خطوط التماس باستخدام الطائرات المسيرة، مركزة هجماتها على العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان. واستمرت الضربات خلال أيار/مايو 2025، ما أدى إلى تعطيل حركة الطيران الدولي وتهديد عمل الموانئ في ولاية البحر الأحمر.
وفي حزيران/يونيو، واصلت قوات الدعم السريع تمددها في غرب البلاد، وتمكنت من السيطرة على منطقة المثلث الحدودي مع مصر وليبيا، وسط اتهامات من الجيش السوداني بمشاركة عناصر من قوات خليفة حفتر الليبية في القتال، ما أزكى المخاوف من تدويل الصراع.
ومع انقضاء النصف الأول من العام، كانت رقعة المواجهات قد انتقلت بصورة شبه كاملة إلى إقليمي كردفان ودارفور، حيث شهدت ولايتا شمال وغرب كردفان أعنف المعارك. وخلال تموز/يوليو وآب/أغسطس 2025، فرضت قوات الدعم السريع سيطرتها على معظم مناطق ولاية غرب كردفان، وتقدمت في ولاية شمال كردفان بهدف إحكام السيطرة على الطريق القومي وقطع الإمدادات المتجهة إلى مدينة الفاشر المحاصرة، في وقت ساد فيه هدوء غير مسبوق إقليم الوسط والعاصمة الخرطوم.
وتواصلت معارك الكر والفر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مع تبادل السيطرة على مدينة بارا، التي استعادها الجيش في أيلول/سبتمبر 2025. ووصفت هذه المرحلة بأنها “حرب المسيرات”، بالتوازي مع تصاعد الانتهاكات واستهداف المدنيين في قرى غرب كردفان ومناطق النيل الأبيض، فضلًا عن اشتداد القصف على مدينة الفاشر، التي ظلت صامدة رغم الحصار الخانق والهجمات شبه اليومية من قبل قوات الدعم السريع.




