
دفعت الحرب التي دخلت شهرها الـ33 نصف سكان السودان إلى دائرة البطالة، بخاصة بعد توقف المصانع والأسواق والتبادل التجاري بين المدن، وكذلك الأنشطة الزراعية وورش الحرفيين، إلى جانب 80 في المئة من الأعمال اليومية بمناطق عدة في ولايات البلاد كافة.
منذ أبريل عام 2023، وجد مئات آلاف السودانيين أنفسهم في عداد العطالة والفقراء، يواجهون مصيراً مجهولاً وقاتماً بسبب توقف أعمالهم ودخولهم اليومية إثر الدمار الكبير والنهب والتخريب التي لحقت بالأسواق والمصانع والورش بالمناطق الصناعية، فضلاً عن شركات القطاعين العام والخاص والبنوك والمصارف، إذ فقدت مئات الأسر نحو 100 ألف وظيفة من بينها فئات عمالية.
ووفق تقارير رسمية بلغت معدلات البطالة المتنامية بالسودان نسبة 47 في المئة مع تدهور كبير في قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم منذ اندلاع الحرب، وفق تقارير صندوق النقد الدولي. ويشكل الشباب نسبة 42 في المئة من السودانيين، منهم 85 في المئة عاطلون من العمل.
فقر وإحباط
في السياق قال حاتم خلف الله أحد العاملين بالقطاع الخاص إن “استمرار الحرب أسهم في ارتفاع معدلات البطالة بصورة كبيرة، وفي ظل عدم وجود أفق لحل يوقف الصراع المسلح بات ملايين السودانيين ضحايا واقع معقد ومصير مجهول، لذا تبعثرت أحلامهم وآمال عائلاتهم ووقعوا في بؤر الفقر وأصاب الإحباط الغالبية”.
وأضاف “تمضي الأيام والأشهر بلا جديد بسبب عدم وجود فرص العمل، فضلاً عن تراجع الاقتصاد بصورة كبيرة وارتفاع معدلات التضخم، إضافة إلى موازنة حكومية محدودة غير قادرة على خلق فرص العمل”، وأوضح خلف الله أن “الموظفين والعمال يرتبط رزقهم بالعمل، ومن ثم فإن تداعيات الصراع المسلح شردت الملايين من الفنيين والعمال من دون التزامات من أصحاب المصانع والشركات، وهناك مؤسسات أوقفت العاملين فيها منذ الأشهر الأولى لبداية الحرب، لذا ارتفعت معدلات البطالة لأكثر من 50 في المئة داخل السودان”.

عطالة وإهمال
من ناحيته قال صدام جمعة، ميكانيكي كان يعمل بالمنطقة الصناعية الخرطوم، “لقد توقفت أعمالنا بعدما تضررت ونهبت كل المناطق الصناعية ومعها تحطمت ورشنا ومعداتنا ولم نعد نعلم عنها شئياً حتى الآن، وحتى من سعى إلى تجميع بعض المعدات ومزاولة العمل في المناطق الآمنة، أعاقت ندرة الكهرباء العمل نتيجة القصف الجوي بالمسيرات”.
وأوضح جمعة أن “الحرب أسهمت في ارتفاع معدلات البطالة وسط الحرفيين، وباتوا يبحثون الآن عن أي عمل لمواجهة الظروف الصعبة التي يمرون بها في وقت لم تتكفل أي جهة بدعمهم ولو بالحد الأدنى من الحاجات، وكان الدور الأكبر للعون والمساعدة من الأقارب والأصدقاء والأهل”.
وتابع “معظمنا لا يملك رأس المال اللازم لتأسيس عمل جديد، في وقت سجلت السلطات الرسمية غياباً تاماً، ولم نسمع لها بمبادرة لاستيعاب واحتضان هؤلاء الحرفيين ولم يهتم أي مسؤول بالاستفادة منهم أو مساعدتهم”.
واقع مؤلم
من جانبها عبرت سماح إسحاق، وهي شابة في مطلع الثلاثينيات من عمرها، “عن شعور جميع العاطلين من العمل باليأس، خصوصاً بعد ارتفاع معدلات البطالة بسبب استمرار الحرب وتوقف الأنشطة الصناعية والتجارية وأعمال شركات القطاعين العام والخاص”.
وأشارت إلى أنها “ظلت تكابد حياة شاقة منذ تسريحها من العمل في مايو 2024، وتأمل أن يتوقف الصراع المسلح في وقت قريب حتى تستطيع العودة إلى حياتها الطبيعية أو على أقل تقدير معرفة مصيرها في ما يتعلق بمواصلة العمل من عدمه”.
وحذرت إسحاق من استمرار الوضع الحالي للشباب في السودان، “لأنه يضاعف من نسب الفقر، ويؤدي إلى مغامرات غير مأمونة العواقب، ويسهم في تفشي الجريمة وتعاطي المخدرات هرباً من الواقع المؤلم”.

تفاقم الأوضاع
إلى ذلك قالت تنسيقية المهنيين والنقابات في السودان إن “توسع نطاق الحرب زاد الأوضاع سوءاً، مما أدى إلى فقدان الوظائف، إذ وصلت إلى 67 في المئة في القطاعين العام والخاص بسبب تدمير المؤسسات، إلى جانب النزوح.
وأشارت إلى أن “90 في المئة من العاملين تأزمت ظروفهم المعيشية بسبب ترك أعمالهم، في حين أن عدد من فقدوا وظيفتهم في القطاعين وصل إلى مليونين من جملة 3 ملايين شخص”.
وأكدت التنسيقية أن “هناك نحو 35 في المئة من العاملين يعانون أمراضاً مزمنة و98 في المئة منهم لم يجدوا مساعدات طبية، و72 في المئة من العاملين في القطاعين الخاص والحكومي ليس لديهم تأمين اجتماعي، وأن 90 في المئة من العمال في مهن غير منتظمة”.
تحديات كبيرة
على نحو متصل أوضح المتخصص في الشأن الاقتصادي إبراهيم صالح أن “البطالة تشكل تحدياً كبيراً للدولة لأنها تنتشر بصورة رئيسة وسط الشباب من الجنسين، وهي الفئة العمرية المنتجة، وأسهم عدم وجود خطط ومشاريع منتجة في ارتفاع معدلات الفقر وسط السودانيين”.
ونوه صالح بأن “الحرب أدت دوراً كبيراً في تعميق الأزمة عبر تدمير القطاعات الإنتاجية، وتوقف آلاف المنشآت، وكذلك نزوح العمال من مناطق النشاط الاقتصادي، مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة، بخاصة وسط الشباب”.
وتابع “يجب التركيز على القطاعات القادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الموظفين والعمال والحرفيين مثل الصناعة والزراعة والخدمات المرتبطة بالإنتاج”.




