بين وعد دونالد ترامب بوقف حرب السودان في خطاب حالة الاتحاد، ووقائع الداخل المتشابكة، تتقدّم الأسئلة القديمة عن المسؤولية والفرص الضائعة والخيارات الممكنة. فالحرب لم تبدأ بخطاب، ولن تنتهي بخطاب. لكنها أيضًا لم تنفصل يومًا عن تجربة الانتقال التي سبقها، بكل ما حملته من آمال وإخفاقات.
وفي قلب تلك التجربة يقف عبد الله حمدوك؛ شخصية يختلف حولها السودانيون ونخبهم، بين من يراها فرصة أُجهضت، ومن يعتبرها تسوية ناقصة. لكن ما يصعب إنكاره أن الرجل أنجز، في فترة قصيرة ومع بيئة سياسية وأمنية معادية، ما لم ينجزه أي قائد سوداني منذ الاستقلال في ملفات محددة.
أولًا، إخراج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب؛ إنجاز ظل معلقًا لأكثر من ربع قرن، وكان مفتاحًا لاستعادة العلاقة مع النظام المالي الدولي.
ثانيًا، إعادة السودان إلى المجتمع الدولي واستئناف التعاون مع المؤسسات المالية، بما في ذلك برنامج إعفاء الديون ضمن مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، وهو مسار لم يكن متاحًا قبل ذلك.
ثالثًا، إقرار إصلاحات اقتصادية جذرية شملت توحيد سعر الصرف ورفع الدعم تدريجيًا، وهي قرارات مكلفة شعبيًا لكنها وضعت الاقتصاد على مسار أكثر شفافية وانفتاحًا.
رابعًا، استعادة الحضور الدبلوماسي للسودان عبر مؤتمر باريس 2021 الذي تعهّد فيه شركاء دوليون بدعم اقتصادي واستثماري.
خامسًا، توسيع هامش الحريات العامة ورفع القيود التي كبّلت العمل المدني والإعلامي لعقود.
هذه الإنجازات لم تحمه من الانقلاب. في أكتوبر 2021، أطاح الجيش وقوات الدعم السريع بالشراكة المدنية، ووجد حمدوك نفسه معتقلًا في منزله، وأسرته تحت ضغوط مباشرة، في سابقة لم يعرفها تاريخ رئاسة الوزراء في السودان الحديث. توقيعه اتفاقًا سياسيًا مع قادة الانقلاب ظل لحظة انقسام وطني؛ قرأه البعض تنازلًا، ورآه آخرون محاولة لتجنب انزلاق شامل. لكنه في كل الأحوال خسر جزءًا من رصيده الشعبي، وغادر السلطة محاصرًا بالخيبة.
اليوم، ومع اشتعال الحرب، يعود الرجل إلى ساحة التحرك من خارج الحكم. لا يحمل جيشًا، ولا حزبًا عقائديًا، بل إرث تجربة انتقال حاولت – بما لديها من أدوات محدودة – إعادة تعريف علاقة الدولة بالعالم. يتحرك في مسارات إقليمية ودولية داعيًا إلى وقف الحرب واستعادة المسار المدني، مستندًا إلى شبكة علاقات دولية لم تُبنَ فجأة، بل خلال تلك الأعوام الصعبة.
قد ينجح ترامب في إعلان هدنة، وقد يؤجل ذكر السودان في خطابه.
لكن السلام المستدام لن يُصنع إلا بعودة السياسة إلى موقعها الطبيعي، وبإحياء مشروع الدولة المدنية التي حاولت تجربة حمدوك وضع لبناتها الأولى.
حمدوك شخصية يختلف حولها السودانيون، ويتفقون.
لكن الثابت أن تجربته – بكل ما فيها من إنجاز وأخطاء – تبقى العلامة الفارقة الوحيدة التي وضعت السودان، ولو مؤقتًا، على مسار مختلف منذ الاستقلال.
وفي زمن الحرب، تظل تلك التجربة شاهدة على أن البديل المدني لم يكن وهمًا، بل فرصة عطّلها السلاح.