مقالات

زيارة حميدتي إلى كمبالا: قراءة الدلالات السياسية والدبلوماسية

عبد الجليل سليمان

لم تكن زيارة قائد الدعم السريع إلى كمبالا ولقاؤه الرئيس الأوغندي، ثم مخاطبته طيفًا من الجالية السودانية، خطوة بروتوكولية عابرة. بل حملت هذه المحطة إشارات واضحة حول الدور السياسي والعسكري الذي يسعى حميدتي لتثبيته على الساحة السودانية، وموقعه المحتمل في أي مسار للتسوية المستقبلية للصراع.

خلال لقاءه الرئيس الأوغندي، جرى التركيز على أطر الحوار السياسي والتوافقات الإقليمية؛ حيث شدد موسيفيني على أن الحوار السياسي هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار، في موقف يعكس التوازن الدقيق بين دعم الوساطات الأفريقية والحفاظ على المسار السياسي للسلام.

في كلمته أمام الجالية السودانية، أعاد قائد الدعم السريع تفسير مجريات مفاوضات جدة، مؤكدًا أنها لم تمثل طريقًا حقيقيًا للسلام، بل كانت خطوة تكتيكية لفك الحصار عن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإخراجه من مخبأه. ويكشف هذا الطرح أن الصراع في السودان تجاوز المواجهة العسكرية التقليدية ليصبح صراعًا على مواقع القوة والنفوذ، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والدبلوماسية.

وذكر حميدتي أن قواته تتجاوز نصف مليون مقاتل، وأنه يمتلك طائرات مسيّرة، مشيرًا إلى هذه العناصر كحقائق تعكس قدراته على التأثير في مجريات الأحداث وفرض نفسه طرفًا فاعلًا في أي مفاوضات مستقبلية.

كما أشار إلى رغبته منذ البداية في إحالة ملف الحرب إلى الاتحاد الأفريقي ومنظمة إيغاد، في إشارة إلى عدم ارتياحه لوضع الملف في يد الدول العربية وحدها، ولربما يمكن قراءة ذلك على أنه محاولة لمغازلة الدول الأفريقية وتعزيز دورها في أي تسوية محتملة. وتتضح هذه الرمزية أيضًا من خلال ارتدائه الزي الأفريقي لدى وصوله إلى مطار أنتيبي، ما يعكس اهتمامه بالتموضع الدبلوماسي في المحيط الأفريقي.

في المقابل، بدا حميدتي حريصًا على إظهار نفسه متوافقًا مع الخطاب الأميركي المناهض لما يسميه “الإسلام السياسي” المتمثل في الكيزان، وهو ما طرحه مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، أمام مجلس الأمن، حين شدد على أنه لا مكان لجماعات الإسلام السياسي في مستقبل السودان. ما يعكس سعيه للاستثمار في المواقف الأميركية بما يعزز موقفه السياسي والتفاوضي.

خطابه أمام الجالية السودانية لم يقتصر على سرد وقائع الحرب، بل حاول وضع نفسه كفاعل سياسي وعسكري، قادر على الموازنة بين القوة العسكرية والموقع السياسي. هذه الخطوة تعكس محاولة لإعادة التموضع الدبلوماسي في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية والإقليمية على “الدعم السريع”.

زيارة كمبالا إذن ليست مجرد حدث رمزي، بل محاولة لفهم موازين القوى السودانية وقراءة احتمالات إعادة ترتيب الحسابات السياسية في الخرطوم، وتقديم مؤشر واضح على أن الدبلوماسية العسكرية لحميدتي جزء من استراتيجية متكاملة لفرض نفسه على مستقبل السودان السياسي والعسكري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع