
مع اندلاع الحرب في الخرطوم منتصف أبريل 2023، غادرت معظم الأسر بيوتها تحت ضغط الخوف والتهديد المباشر وانقطاع الخدمات وعمليات النهب أو التدمير الجزئي أو الكلي. لم يتمكن الكثيرون من المؤجرين منهم من إنهاء التزاماتهم القانونية بصورة منظمة، فقط هربوا حيث الأمان، لكنهم عندما عادوا إلى الخرطوم بعد نحو ثلاثة أعوام صدموا بأن متراكمات الإيجارات كانت تطاردهم طوال فترة اللجوء أو النزوح.
وفوجئ بعضهم بوجود أحكام قضائية ملزمة بالسداد والصيانة وأوامر بالقبض تنتظر عودتهم، ما شكل صدمة كبيرة تكاد توازي صدمة الحرب نفسها.
ملاحقات ونماذج
إحدى الأسر العائدة من الخارج فوجئت بأنها ملاحقة بحكم قضائي ينتظرها، وأمر بالقبض صادر بحقها، نتيجة دعوى تقدم بها صاحب المنزل مطالباً بدفع الإيجارات المتأخرة، بجانب تحميلها كلفة صيانة المنزل.
ناشدت الأسرة عبر الصحف المحلية، رئيس القضاء بتشكيل لجان لمراجعة كل الأحكام الصادرة غيابياً أو حضورياً في مثل هذه الحالات المتعلقة بإيجارات المنازل والشقق. وطالبت بمراجعة الأحكام الصادرة والاستماع للمؤجر كطرف ثانٍ قبل إصدار الحكم، “فليس من الرشد إصدار حكم غيابي بتلك القسوة”، بحسب الأسرة.
أوضحت العائلة أنها ظلت تقوم بدفع قيمة الإيجار حتى الشهر الثالث للحرب، لكنها اضطرت بعدها إلى الفرار إلى خارج البلاد، مثلما فعل أصحاب المنازل أنفسهم، مشيرة إلى أنها كانت تعتقد أن هذا الوضع يجعل جميع الإيجارات مجمدة خلال تلك الفترة، حتى يتمكن أصحاب المنازل من التواصل مع المستأجرين بعد هدوء الأوضاع في العاصمة للبحث في الخيارات المتاحة بشأن استمرار الإيجارات أو ترك المنازل.
مواقف متبانيه
في خضم الصدمة، تبرز بعض النماذج من الملاك الذين تعاطوا مع الواقع بروح من التعاطف والإنسانية آخذين في الاعتبار ظروف الفارين وفقدان الكثيرين من المستأجرين قدرتهم على السداد نتيجة خسارة عملهم ومصادر رزقهم، فضلاً عن تخليهم عن رفع قيمة الإيجارات على رغم المضاعفات الاقتصادية التي صاحبت الحرب من ارتفاع في معدلات التضخم وتدهور قيمة العملة الوطنية بصورة كبيرة طوال أعوام الحرب.
يقول أزهري عبد المجيد، وهو مالك عقار في حي الواحة بمدينة أم درمان الذي كان آمناً نسبياً ومؤجراً لعدد من الأسر، إن المؤجرين اتصلوا به وأبلغوه بعدم قدرتهم على دفع الإيجار بعد فقدانهم مصادر دخلهم، مشيراً إلى أنه وافق على إعفائهم لمدة عام كامل من الإيجار، مناشداً رفاقه من الملاك التحلي بذات الروح في التعامل مع المؤجرين ومراعاة الظروف الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها كل السودانيين، وموجة الفقر التي ضربت معظم قطاعات الشعب السوداني.

تنصل رسمي
على الصعيد الرسمي، لم تتكفل الحكومة السودانية حتى الآن بأي التزام بشأن الأضرار التي طاولت منازل المواطنين سواء كانت مملوكة أو مؤجرة.
وشدد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، جبريل إبراهيم، على أن الحكومة لن تتدخل بشأن الإيجارات أو فرض تخفيضات على الملاك، وسيبقى تحديد الأسعار خاضعاً لآليات السوق وفق الطلب والعرض من دون تدخل مباشر من الدولة.
أكد إبراهيم، في تصريحات صحافية، أن الحكومة لن تتحمل مسؤولية صيانة أو إعادة تأهيل المنازل التي تضررت جراء الحرب، مشيراً إلى أن إصلاح الممتلكات الخاصة يظل واجباً على أصحابها، معللاً ذلك بأن الدولة لا تملك القدرة على تغطية تكاليف إصلاح جميع المنازل المتضررة، وأن على المواطنين الذين فقدوا مقتنيات مثل الأبواب أو النوافذ يمكنهم المبادرة بإعادة تركيبها على نفقتهم الخاصة.
مناشدة حكومية
غير أن الوزير ناشد أصحاب العقارات بأن تكون أسعار الإيجارات معقولة، وعلى رغم أن إيجارات العقارات هي سوق مفتوحة لا يحددها قانون، لكن لا بد من مساهمة أصحاب العقارات في تخفيف العبء عن كاهل المواطن بتخفيض أسعار الإيجارات المرتفعة التي ترهق المواطنين، مشيراً إلى أن الحكومة بصدد إعادة النظر في الرسوم الجمركية على مواد البناء حتى تكون أحد الحوافز للمواطنين لاستعادة عقاراتهم التي دمرت.
أضاف “أعتقد أن كل مواطن يستطيع أن يصلح داره بالتدريج، لأن الحكومة لا تملك القدرة ولا تود أن تخدع الناس بل تواجههم بالحقيقة كما هي، لكنها في الوقت نفسه مستعدة لتقديم أي تسهيلات ممكنة”.
ظروف استثنائية
في السياق، يوضح المستشار القانوني السموئيل إبراهيم الدسوقي، أن السودان يشهد ظروفاً استثنائية نتيجة النزاع المسلح، الأمر الذي أثّر بصورة مباشرة في تنفيذ العديد من الالتزامات التعاقدية، وعلى رأسها عقود الإيجار. ومن هنا تُطرح التساؤلات حول الوضع القانوني لتراكم الإيجارات خلال فترة الحرب.
يتابع “من حيث المبدأ، يخضع عقد الإيجار لأحكام قانون المعاملات المدنية السوداني والقوانين المنظمة للعلاقة بين المؤجر والمستأجر، ويُعد التزام سداد الأجرة التزاماً أصيلاً في ذمة المستأجر ما دام الانتفاع بالعقار قائماً، فالقانون لا يتضمن نصوصاً صريحة تقضي بإلغاء مستحقات الإيجار تلقائياً بمجرد توقف السداد بسبب الحرب أو النزوح.

القوة القاهرة
يردف “في الظروف الاستثنائية يقر القانون مبدأين مهمين، أولهما هو القوة القاهرة إذا أدت الحرب إلى استحالة الانتفاع بالعقار كلياً مثل تدميره، أو وقوعه في منطقة عمليات عسكرية مغلقة، أو حتى صدور قرارات رسمية تمنع استخدامه. في مثل هذه الحالات، فإن الالتزام بالأجرة قد يسقط عند فترة الاستحالة لانتفاء المقابل القانوني، أما مجرد الضائقة المالية، فلا تُعد في حد ذاتها قوة قاهرة تُسقط الدين”.
المبدأ الثاني بحسب السموئيل، فهو نظرية الظروف الطارئة، فإذا جعلت الحرب تنفيذ الالتزام مرهقاً بصورة غير معتادة، جاز للمحكمة التدخل لإعادة التوازن العقدي، وذلك بتخفيض الأجرة موقتاً أو تقسيط المتأخرات، تحقيقاً للعدالة ومنعاً للإجحاف.
تقديرات قضائية
عليه وفق الدسوقي، فإن تراكم الإيجارات لا يسقط تلقائياً بسبب الحرب، وإنما يخضع للتقدير القضائي وفق حالة كل عقار وظروف كل علاقة تعاقدية. ويظل المعيار الحاسم هو: هل تعذر الانتفاع بالعقار فعلياً أم ظل قائماً، لذلك يستحسن في ظل هذه الأوضاع، تغليب الحلول الودية والتسويات المرحلية، حفاظاً على استقرار المعاملات وتحقيقاً لمقاصد العدالة في ظرف استثنائي تمر به البلاد. أيضاً في حالات النزاعات المسلحة، تتجه كثير من الدول إلى تبني تدابير استثنائية تتعلق بعقود الإيجار، من بينها تجميد الإيجارات، أو الإعفاء الكلي أو الجزئي خلال فترات النزوح القسري، وذلك مراعاةً للظروف الإنسانية والاقتصادية المصاحبة للحروب.
تدخل استثنائي
يعتقد الدسوقي أن غياب تدخل تشريعي استثنائي ينظم هذه الأوضاع قد يؤدي إلى تفاقم النزاعات القضائية، وتزايد دعاوى الإخلاء والمطالبات المالية، بما يثقل كاهل القضاء ويزيد من حدة التوتر الاجتماعي.
ويرى أن من بين الحلول الممكنة في مثل هذه الظروف بحسب المستشار القانوني، إصدار تشريع موقت يقضي بتعليق المطالبات القضائية المتعلقة بالإيجارات خلال فترة محددة، وإسقاط الأجرة عن الفترات التي يثبت فيها تعذر السكن أو الانتفاع بالعقار فعلياً بسبب النزاع، مع وضع آلية لإثبات حالات النزوح أو الاستحالة الفعلية للانتفاع، منعاً لإساءة استخدام الاستثناء، منوهاً إلى أن المعالجة التشريعية الموقتة تمثل إحدى الأدوات لتحقيق التوازن بين حماية الملكية الخاصة وضمان الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية في ظل أوضاع استثنائية.




