
تجاوزت تداعيات الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران أبعادها المحلية لتلقي بظلالها المباشرة إقليمياً على دول الخليج وكل الشرق الأوسط، بل والعالم أجمع عقب اختناق سلاسل الإمداد عند مضيق هرمز واضطراب التجارة الدولية عبر البحر الأحمر بصورة عامة.
ولم يكن السودان بمنجاة من تلك التداعيات على رغم محنته المتطاولة جراء حربه الداخلية المشتعلة منذ نحو ثلاثة أعوام مضت، منذ منتصف أبريل 2023 وحتى الآن، فكيف ينظر المراقبون والمتخصصون إلى مجمل التداعيات المباشرة المحتملة على حرب السودان؟ هل يمكن أن تعجل شظايا المواجهات في إيران بنهايتها؟ أم تطيل أمدها أكثر وتدفع بها إلى هامش الأولويات الإقليمية والدولية وأضابير النسيان، في ظل تراجع الاهتمام الدولي والإعلامي بها؟
أزمة وغلاء
تجلت أولى انعكاسات الأزمة الاقتصادية التي أفرزتها الحرب في تفجر أزمة حادة في الوقود والمحروقات، انعكست بدورها في زيادات جديدة وارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات داخل معظم القطاعات الاقتصادية، لا سيما النقل والطاقة، مما ضاعف الأعباء المعيشية على المواطنين.
وكشفت الغرفة القومية للمستوردين في اتحاد الغرف التجارية السودانية عن تأثيرات ارتفاع كلفة الشحن البحري والتأمين على المنتجات القادمة من منطقة الخليج العربي، مما ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة في السوق السوداني.
وأوضح أمين المال السابق بالغرفة هاشم الفاضل أن شركات الشحن فرضت رسوماً إضافية بلغت 3000 دولار على الحاويات سعة 40 قدماً بعد اندلاع الحرب وإغلاق مضيق هرمز، مما زاد الضغط على سلاسل الإمداد والتوزيع.
ولفت الفاضل إلى أن الأزمة قد تدفع ببعض الشركات إلى تحويل مسار الشحن عبر رأس الرجاء الصالح، مما يضاعف الوقت والكلفة ويؤثر مباشرة على أسعار الطاقة والنفط، بالتالي على أسعار المواد الخام والسلع الاستهلاكية.
فرصة سانحة
وكان رئيس “حركة العدل والمساواة” وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم دعا إلى استغلال ما وصفه بـ”انشغال الإمارات بأوضاعها الخاصة، والتحرك بسرعة لاستكمال تحرير البلاد”، مؤكداً أن “المرحلة الحالية تفرض حسماً ميدانياً وعدم إهدار الوقت”.
وأشار إبراهيم إلى أن التطورات الإقليمية وعلى رأسها الحرب الدائرة في إيران ومنطقة الخليج، سيكون لها انعكاس مباشر على الأوضاع الاقتصادية، متوقعاً حدوث شح في الإمدادات والسلع، إلى جانب ارتفاع أسعار الذهب والبترول، مما يستوجب استعداداً مبكراً للتعامل مع هذه المتغيرات.
وأوضح أن “الحرب في السودان لا يمكن النظر إليها بمعزل عن التحولات الكبرى في الإقليم”، معتبراً أنها “جزء من إعادة تشكيل الشرق الأوسط وموازين القوى فيه، وهو ما يفسر حجم التداخلات الخارجية في المشهد السوداني”.
وانتقد رئيس “حركة العدل والمساواة” ما وصفه بالاسترخاء الذي أعقب تحرير الخرطوم، مؤكداً ضرورة تجاوزه عبر ترتيب الأوضاع الداخلية والاستعداد لمقاومة طويلة النفس لأن الحرب لم تنته بعد، مشدداً على أن التشرذم أو البحث عن مكاسب تنظيمية ضيقة قد يؤدي إلى إبطاء مسار الحسم. وحذر من أن ترك قوات “الدعم السريع” في دارفور قد يفتح الطريق لعودتها مجدداً إلى الخرطوم.

إطالة وتهميش
أما في شأن التأثيرات العسكرية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وانعكاساتها على الإمدادات اللوجيستية وتدفقات السلاح وعمليات تجنيد المرتزقة التي كانت تعتمد عليها قوات “الدعم السريع” طوال أعوام الحرب، يرى الباحث الأمني والسياسي إسماعيل يوسف أن “هناك احتمالاً ضعيفاً أن تؤثر هذه الحرب بصورة فورية ومباشرة على الوضع العسكري الميداني في السودان، أو أن تعجل بإنهاء الحرب المستعرة فيه”.
ولا يستبعد يوسف أن يحدث العكس وتؤدي هذه الحرب إلى إطالة أمد حرب السودان لا تقصير أمدها، مع الدفع بها إلى زاوية النسيان خلال الوقت نفسه، في ظل تراجع الاهتمام بما يحدث في السودان إلى أسفل سلم الأولويات الدولية، أما في حال توسعت حرب إيران أكثر فإن الأولوية القصوى ستصبح هي أمن إسرائيل ودول الخليج العربي، وضمان انسياب حركة التجارة الدولية عبر مضيق هرمز.
فوق كل ذلك، وفق الباحث الأمني، فإن انخفاض الاهتمام الدولي يعني غياب أي وساطات فعالة ومؤثرة أو تسويات مفروضة، ومعلوم أنه عندما تنشغل القوى الكبرى بالحروب تتحرك أيادي الوسطاء وتنشط شبكات تهريب السلاح بعيداً من الرقابة والمتابعة الاستخباراتية لبعض المسارات، وهذا من العوامل التي لا تساعد على إنهاء الحرب.
الأولوية الداخلية
وتابع “قد تبطئ حرب إيران من تدفقات السلاح نحو السودان بصورة موقتة بسبب تعطل أو حصار طرق وسلاسل الإمداد وتراجع حركة التجارة العالمية بصورة عامة، لكنها لن تؤدي إلى توقفها بصورة نهائية، فقد تتغير مساراتها”.
مع ذلك بحسب الباحث، فإن عوامل عدة قد تقلل من حجم تدفقات السلاح مثل تقييد إجراءات الرقابة البحرية وتشديدها وبخاصة في البحر الأحمر، إلى جانب ارتفاع كلفة النقل والتأمين أخطار العقوبات، لكن تعدد المسارات البرية بالنسبة إلى خطوط إمداد “الدعم السريع” عبر ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، أو حتى إثيوبيا، قد يؤدي إلى توسع السوق السوداء بسبب ارتفاع الطلب، ويسهم بالتالي في نشاط عمليات التهريب باستغلال فوضى الاضطراب الإقليمي.
وكانت مصادر كشفت عن شكوى قيادات ميدانية بـ”الدعم السريع” من تراجع وتيرة الدعم الخارجي لانشغال الممولين بالتوترات والحرب الإيرانية وكثافة الضربات الجوية التي يشنها الطيران الحربي للجيش السوداني، مستهدفاً قوافل الإمداد البرية القادمة عبر الحدود الصحراوية.
وأشارت المصادر إلى أن سقوط طائرة إمداد لـ”الدعم السريع” على حدود السودان الشرقية لأسباب مجهولة، ضاعف من الصعوبات اللوجيستية لوصول شحنات بديلة لعناصرها في جبهات القتال المتقدمة، تزامناً مع الحصار البري الذي يضربه الطيران الحربي على القوافل البرية.
إلى الهامش
من جانبه، قال رئيس الحركة الشعبية (التيار الثوري الديمقراطي) ياسر عرمان إن “الحـرب المتصاعدة على إيران قد تدفع الأزمة السودانية إلى الهامش الدولي، في ظل انشغال القوى الإقليمية والعالمية بصراع قد تشارك فيه نحو 10 دول”.
مشيراً إلى أن “التحولات الجديدة في المنطقة، وبخاصة تلك المرتبطة بالطاقة وممرات البحر الأحمر، قد تؤثر مباشرة على مستقبل السودان ووحدته، على الدعم الخارجي لأطراف الحرب، إلى جانب تداعيات الحرب على مئات آلاف السودانيين العاملين في دول الخليج الذين يعيلون أسرهم داخل البلاد”.
وطالب عرمان القوى المدنية السودانية بالمسارعة إلى “توحيد رؤيتها السياسية قبل أن تتحول الحرب في السودان إلى ملف ثانوي في أجندة العالم”.
منوهاً بأن “انشغال المجتمع الدولي بحرب الخليج يجب أن يدفع أشرعة الحوار السوداني – السوداني دون الاستغناء عن معاونة الخارج”.
ولفت رئيس “الحركة الشعبية” إلى أن رياح حرب الخليج هي التي دفعت بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية بتسمياتها المختلفة كحركة إرهابية، لذلك لا بد من العمل على عزل هذه المجموعة من الإسلاميين التي تمتطي ظهر الجيش، وتحرير الدولة المختطفة من قبضتها لأن في ذلك تجفيفاً لمنابع الحرب، ويجب رفض مشاركة الحركة الإسلامية في أي عملية سياسية منتظرة أو متوقعة”.




