مقالات

كيف تحمي الصين مكاسبها الاستراتجية في ظل تقلبات واشنطن؟

عبد الجليل سليمان

تراقب بكين بقلق متزايد التحولات في سلوك الولايات المتحدة الأميركية ولم يعد التراجع في نفوذها القضية الأساسية، بل ما يصاحبه من تقلب واندفاع نحو استخدام القوة الذي يهدد الاستقرار الذي قامت عليه البيئة الدولية لعقود. وفي هذا السياق، تبدو الحرب التي تشنها واشنطن بالتنسيق مع تل أبيب ضد طهران أكثر من مجرد صراع إقليمي، فهي اختبار مباشر لقدرة الصين على حماية مسار صعودها في عالم يزداد اضطرابًا.

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، اتسمت السياسة الأميركية بتقلب ملحوظ قلل ثقة الحلفاء وخفّض التزام الإدارة الأميركية بالنظام الدولي القائم على القواعد، ما يزيد صعوبة حماية الصين لمصالحها الاقتصادية. فضعف واشنطن وحده لا يشكل تهديدًا، بل تحركاتها غير المتوقعة واستعدادها لاستخدام القوة يمكن أن تُقوّض أسس الاستقرار الضرورية لاستمرار نمو بكين الاقتصادي.

تعتبر الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، إذ يعتمد نحو 70% من احتياجاتها على الخارج ويمر حوالي ثلثها عبر مضيق هرمز. ورغم امتلاكها احتياطات ضخمة، فإن استمرار الحرب على إيران قد يعرقل الإمدادات ويرفع تكاليف الطاقة، ما ينعكس مباشرة على اقتصادها الموجه للتصدير، حيث تشكل الصادرات نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي.

ولا يقتصر القلق الصيني على الطاقة، بل يشمل سلاسل التوريد الصناعية والتقنيات المتقدمة التي تتطلب مدخلات مستقرة مثل الطاقة والمعادن والمعدات الدقيقة، فأي اضطراب في استقرار هذه المدخلات يرفع التكاليف ويؤخر الإنتاج، ويضاعف المخاطر المالية، ما يجعل بيئة الأعمال الصينية أكثر هشاشة في ظل اضطرابات جيوسياسية متزايدة.

رد الصين على هذه الأزمات يتميز دائماً بالحذر، فهي تركز على الدبلوماسية، ودعوات وقف إطلاق النار، وتجنب التدخل العسكري المباشر، حفاظًا على النظام الدولي الذي تعتمد عليه؛ إذ تسعى إلى استقرار أسواق الطاقة والتجارة وحماية مصالحها الاقتصادية من تقلبات الخارج مع الحفاظ على مسارها نحو الاكتفاء الذاتي التدريجي دون الإضرار بمكاسبها الاستراتيجية.

حتى في ملف تايوان، تتصرف الصين بحذر شديد. فهي لا تعتبر أي انشغال أميركي في مناطق أخرى فرصة تلقائية للتحرك، بل تراقب بعناية سلوك الإدارة الأميركية وقرارات البيت الأبيض لمعرفة مدى استقرارها ومدى ميلها للتقلب واستعدادها لاستخدام القوة. وتدرك بكين أن مواجهة واشنطن غير المستقرة قد تكون أخطر من مواجهة قوة أميركية ثابتة، لأن عدم القدرة على التنبؤ بسلوكها يزيد المخاطر لأي صراع محتمل حول الجزيرة.

في المحصلة، التحدي الأكبر أمام الصين ليس فقط الصعود داخل النظام العالمي، بل الحفاظ على توازنها واستقرارها في عالم تتآكل قواعده تدريجيًا. هذا العالم المضطرب يطرح فرصًا ومخاطر في آن واحد ويجعل حنكة القيادة الصينية في إدارة هذه الموازنة عنصرًا حاسمًا لاستمرار صعودها في العقود المقبلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع