مقالات

يا حليل الفكي (….) .. صمويل بيكر في رفاعة

عبد الجليل سليمان

الحلقة الأولى

كان صمويل وايت بيكر قد بلغ أبو حراز بعد رحلة طويلة عبر بلاد النيل الأزرق، وكانت الخرطوم أمامه، لكنه لم يشأ أن يقطع إليها الطريق البرّي الطويل بمحاذاة النهر. حاول أن يستأجر مركبًا، فلم يجد إلا قاربًا وصفه بأنه بائس وقذر، كما أنّ إلحاح صاحبه على بيكر دفع (ألف وأربعمئة قرش) أجرة، جعله يعدِل عن الفكرة، واستعاض عن النهر بالجمال.

ومن أبو حراز مضى شمالًا على أرضٍ مستوية تأخذ خصوبتها في التراجع كلما ابتعد عن مناطق المطر، فيما كان النيل الأزرق يرافق طريقه من جانبه الغربي.

وفي 2 يونيو 1862 أرسل جماله إلى رفاعة في الصباح، ثم تبعها مع زوجته عند الثانية والنصف بعد الظهر، بعدما قيل له إن الطريق لا يتجاوز نصف يوم. لكنه لم يبلغ البلدة إلا في الثامنة والنصف مساءً، بعد مسيرة قاربت واحدًا وعشرين ميلًا.

مشارف رفاعة

كان أول وصف سجله بيكر عن رفاعه أنها ، (Considerable Town)؛ أي إنها، في تقديره، كانت بلدة معتبرة. لكنّه لم يترك لنا وصفًا معماريًا لها، كما لم تحدث عن سوقها أو شوارعها بالتفصيل.

كانت رفاعة، كما يذكر، مقر الشيخ أحمد أبو سن، الذي كان يصفه بأنه «صديقه القديم». لكن الشيخ لم يكن موجودًا عند وصوله؛ كان غائبًا، بينما كان ابنه علي في البلدة.

دار الضيافة.

يقول بيكر: استقبلنا “علي” إبن الشيخ أحمد أبوسن استقبالًا حسنًا، وأسكننا أنا وزوجتي في بيته الخاص، داخل فناء كبير مسوّر تتوسطه بئر ذات ماء جيد. وبعد أن اطّلع على الفرمان ، أدّى له واجب التحية المعتاد بكل احترام.

لكن بيكر لم ير في الابن صورة مطابقة لأبيه. فقد لاحظ فيه افتقارًا إلى الوقار الهادئ وسهولة المعاملة، الصفتان اللتان نسبهما إلى الشيخ الكبير (والده).

يصفه بقوله: “جلس (علي) في الديوان على هيئة متصلبة، وكان يرفع غطاء الوسائد بين حين وآخر ويبصق تحته”، لكن ما أثار حنق بيكر أكثر، أنّ علي إبن أحمد أبو سن؛ كان مصابًا بالزكام، ولم يكن معه منديل، فكان يستعين بإصبعه وإبهامه ثن يسمحهما على الجدار، تاركًا آثارًا عدّها الرحالة أشبه برسوم«هيروغليفية حديثة»، ورأى أنها لا تليق بغرفة استقبال زعيم عربي. وبعد نحو ساعة انصرف علي، تاركًا ضيفيه (بيكر وزوجته) على مائدة العشاء.

محتويات المائدة

كان العشاء أربعة أطباق. الأول يخنة عربية (دمعة/ بالسوداني) من لحم الضأن، شبّهها بيكر بـ«Irish stew» لكنه تأسف لغياب البطاطس؛ ومع ذلك وجدها جيّدة لأن اللحم كان دسمًا. والثاني يخنة عربية أخرى، حارة بالفلفل الأحمر وجافة نسبيًا. والثالث قطع صغيرة من لحم الضأن، قُليت سريعًا في السمن والثوم، وقد أعجبته. أما الطبق الرابع فكان من الطبيخ (المُلاحْ) الذي سبق أن وصفه في الرحلة، وأثنى عليه هنا أيضًا.

طريق الخرطوم

غادرها بيكر رفاعة بمحاذاة النيل الأزرق، في طقس شديد الحرارة. كان الهواء، كلما تحرك، يحمل معه غبارًا خانقًا، لكن اتساع النهر كان يخفف قسوة الطقس والمناخ.

كان النيل في ذلك الوقت منخفضًا إلى درجة شديدة؛ ففي مواضع كثيرة كان يمكن خوضه على عمق يقارب ثلاثة أقدام، وهو ما جعله غير صالح للمراكب الكبيرة التي كانت تحمل الحبوب إلى الخرطوم من الأقاليم الجنوبية (يقصد سنار والدندر). وكان قد بدأ يرتفع، لكن مياهه أصبحت عكرة بفعل السيول القادمة من الحبشة.

وكان بيكر صريحًا في حكمه على الطريق: لا شيء جدير بالاهتمام من رفاعة إلى الخرطوم؛ أرض مستوية شاسعة تتناقص خصوبتها حتى تختلط بالصحراء. وقد بلغ الحر من الشِدّة أن أُصيب مراغفة من الحُمران (بخيت) بضربة شمس خفيفة، بينما عانى التوكرووريون من القيظ وهم يمشون في الساعات الحارة.

كان الرحلة رتيبة ومملة إلى أن جاءت حكاية الفكي ( الفقيه).

حيلة الفكي

كان العرب، كما لاحظ بيكر في هذا الطريق، أقل ميلًا إلى الضيافة، إذ كان المسار مطروقًا من التجار المحليين والغرباء عليه مألوفون.

وفي إحدى القرى، التي كان يسكنها عدد كبير من الفقهاء، استقبلهم كبيرهم بأدبٍ بالغ.

رحب بهم، وسألهم عن تعبهم، ودعاهم إلى الراحة قليلًا قبل أن يواصلوا إلى قرية ساحرة قال إنها تقع “بعد تلك الأشجار مباشرة” مشيرًا إلى غابة من أشجار السِدر الخضراء على مسافة نحو ميل. قال لهم إنهم سيجدون هناك الطعام والمؤن والظل ومنظرًا جميلًا للنهر.

أُعجب بيكر بأدبه، وودعه معتذراً عن النزول إلى الراحة، وانطلق إلى القرية الموعودة. لكنهم قطعوا بعد ذلك أربعة عشر ميلًا، جائعين ومتعبين، في صحراء من الرمل الحار، دون أن يروا بشراً ولا مسكنًا واحدًا.

أما الجزء الوحيد الصادق في كلام الفقيه كان منظر النهر؛ لقد كان بديعاً فعلًا.

حينها أدرك بيكر أنهم وقعوا في حيلة متقنة: الفقيه لم يكن يريد أن يستضيفهم فيثقلون عليه، فصرفهم بأسلوب مهذب وحيلة ذكية. ولذلك ذكر بيكر إنع وفريقه بيعوا من قبل الفكي كانواق “regularly ‘sold” بطريقة «شديدة التهذيب. لكنهم في نهاية بلغوا قرية أخرى سمّاها (Abou Dome ) ولعلها أم دوم الحالية، وواجهوا ذات الصعوبات كبيرة في الحصول على المؤن، ورغم ذلك قضوا ليلتهم فيها.

الخرطوم المُخادِعة

وفي صباح 11 يونيو 1862، عند شروق الشمس، استأنف بيكر الرحلة. وبعد ثلاث ساعات، عند التاسعة صباحًا، بلغ ضفة النيل المقابلة للخرطوم. ومن هناك تبدأ قصة أخرى: مدينة بدت له من بعيد جميلة، خضراء، عامرة بالسفن والمباني؛ ثم، بعد أن عبر إليها، اكتشف مدينة أخرى تمامًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع