منوعات

من أدبنا الشعبي السوداني.. يا عنزي ام قِريّن

مشاوير - د. سلمى المشلي

مقدمة:

دي تجربتي الاولى لتقديم الاهزوجة بصوتي لسماعها لتقرأ بالطريقة الصحيحة لحفظها كلغة عامية و لتوصيل رسالة الاهزوجة.

يا عنزي ام قرين:

و لايزال جمعي من الرواة الشفاهيين من اهلي الرباطاب

 و سؤالي عن كيف يغنن او يلولن او يهوهن صغارهن،

 و نسميها اللولاي و الهوهاي لكن هنا في شكل حجوة

 و اُطلِق عليها ( حداء الجُهال).

و كتبت ( يا عنزي ام قِريّن) من الرواية عمتي فطينة محمد هارون:

             يا عنزي ام قرين الدِي لي عتوتا زين

            العتوت شِنْ سمو؟ سمو فرطوق

           يا فرطوق يا فرطوق شلِّق لي فوق

          شِنْ شوفته؟ شوفته القوم قوم منو؟ قوم عدلان

          يا عدلان سِلْ السيف خُتو لي في الكتيف

          الكتيف در الدم شالني بنات العم

          ختني في الإبريق الإبريق ملان كِتبات

          نط البير بلا عتبات اهرس الشوك بلا نِعلات

                   بابور كوستي ام رقبات جات

روايتها في منطقة أخرى لولاي: 

           يا دقدوق صنقع فوق 

           شن بتشوف بشوف القوم

          قوم منو ؟ قوم عدلان 

          يا عدلان سِل السيف 

          خُتو ليا في الكِتيٌف 

          و الكتيف در الدم 

          شال النيل بنات العم 

         و خت النيل في الابريق 

         و الأبريق ملان حِجبات 

         حبوبه ام رقبه جات 

          جابت السكر و الحاجات

دقدوق الشيء الصغير المدقق من دُقاقة و الشيء الدقاق الصغير الحجم فنقول لمن جسمه و شكله صغير و هو فعلا كبير :” مدقدق ساي”، أو نقول:” زول مدقدق”.

و في:” النضِم الدقيقة”، و دا سر بين اتنين أو قطيعة حصرية

روايتها في منطقة الجزيرة،:

  وجدتها في جنوب الجزيرة ب(يا شاتي ام قرين) الراوي الطيب بانقا المخرج الاذاعي المعروف و يقول انها يتغنى بها مع النطيط ( القفز لأعلى) عندما يتجمع الصبيات الصغيرات للعب :

            يا (شاتي) ام قرين الدِي لي عتوتا زين

            العتوت شِنْ سمو؟ سمو فرطوق

             يا فرطوق يا فرطوق صَنْقِع لي فوق

             شِنْ شوفته؟ شوفته القوم قوم منو؟ قوم عدلان

             يا عدلان سِلْ السيف خُتو لي فرق الكتيف

             الكتيف بدُر الدم شالني بنات العم

             ختني في الإبريق الإبريق ملان حِجبات

             بنُط الشوك بلا نِعلات و بِجُر) البير بلا سَلبات 

             و بابور كوستي حَلّ و فات 

الكلمات بين القوسين اختلاف في كلمات صيغها، وهكذا اوردت روايتين واحدة من الرباطاب بولاية نهر النيل و الثانية من جنوب ولاية الجزيرة، و لربما انتقلت من ولاية النيل الأزرق الانتشار الثقافي و تغيرت بعض مفرداتها بحسب لغة المنطقة.

و كذلك الرواية الفي الوسط مختلفة قليلا من الروايتين من حيث ذكر الخوارق هنا:” شال النيل بنات عمه وختنه في الابريق لحبوبته ام رقبة حضرت ومعها السكر

 و حاجات أخرى” . 

و بالزمن مرت بالنيل الأبيض و وابور كوستي في القرن الماضي.

شرح الأهزوجة:

 يقول الراوي الهادي ابراهيم انها من الاحاجي في مدينة الدامر وشمالها و قدم بعض الشرح لها مشكورا، و اقدم شرحي موسعا؛ 

تبدأ الاهزوجة بمناداة العنزة ام قرين و هي ياغنمايتي او شاتي( ام قرين) و هو تصغير ودلع لشاته التي لها قرنين صغار، و يطلب منها (الدي لي) اي اولدي من الولادة بمعني ان تضع له ( عتودا زين) اي العتود (صغير ذكر الغنم) وزين اي عتود جميل و قوي. 

و شن سمو؟ ؛ اي ما اسمه؟ فرطوق،و الفرطوق له معاني كثيرة منها:

_ في ديار كبابيش قطعة واحدة من جلد العجل او البقر تستخدم كفرشة للصلاة او تفرش فوق سرج الإبل و غيرة.

_ فرطوق يعني طرورة وهي الخشبة التي لاوزن لها ولما يقولوا ليك الزول ده :” فرطوق ساي” يعني ما منه فائده .

_” الفرطوق ويسمى الدردار وهو سوط طويل يفتل من القماش أو الخيوط، يستخدمه الكبسوري (الراعي) لإخافة السعية و عندما ينفضه الكباسرة، يصدر صوتاً عالياً، فتسمعه البهائم فتجفل وتخاف، دون الضرر بها، فتتحرك سريعاً، وقد يربط في نهاية السوط العادي قطعة قماش أو خيط قطن ليخيف الأغنام.

_أما الفرطاق نوع من أنواع السياط يصنع من السعف عند قبیلة الجعلیین في شمال السودان، ويستخدم لتنظيم الايقاع والرقص والغناء (منطقة الاهزوجة منطقة خلط جعليين و رباطاب وغيرهم) .

_الفرطوق والفرطاق هي تحوير لكلمة الفرقعة، التي تعني انفجار صوتي، والأخيرة فصيحة.

-استخدام آخر للفرطوق في كردفان لطرد الطير من الزرع من فوق الحاحاية”.(اللهجة العامية تويتر)

وارجح الفرطوق بمعنى سوط العنج لما سيرد من شرح

 و “علاقته بالصوفية فهو أداة ولاية لشيوخهم واداة حكم لملوكهم خاصة في عهد المملكة السنارية”.

و تتم مخاطبة فرطوق ب(شلق او صنقع لي فوق) اي انظر الي أعلى للسماء، و ماذا رأي (شن شفتا) اي ماذا رأيت، فيرد (شفتا القوم) ؛ رأيت القوم. و أهل القوم هم شيوخ الصوفية و هم قوم المك عدلان:” الملك عدلان 1605 – 1612 في عهده حدث خلاف بين الفونج حيث خرج عجيب المانجلك على سلطة الدولة المركزية مما اضطر حكومة سنار لمقابلته في معركة بين العيلة فونج (العيلفون حاليا) والحلفايا وتحديدا كركوج بالقرب من الجريف قتل فيها الشيخ عجيب المانجلك وفر ولديه الأمير العجيل لدنقلا والامير عثمان إلى البجا، ويقال ان العثمن من ذريته، ولما راى الملك عدلان اضطراب حبل الأمن في مملكته جاء للولى الكامل الشيخ ادريس ود الارباب ويقال انه يمت بصلة للشيخ عجيب بامه وحلف له الملك اليمين إذا رجع الأمير العجيل ان ينزل منزل والده فذهب الشيخ ادريس الي دنقلا واحضر الأمير العجيل وتم الصلح واستمر الحلف”. ( الموسوعة العالمية)

وهكذا عرفنا علاقة المك عدلان بالصوفية و الشيخ الصوفي المعروف إدريس ود الأرباب.

و في كتاب:” طبقات” لود ضيف الله ورد ان : “الشيخ بدوي ابو دليق عندما نصب ولياً اقعدوه على كرسى من الذهب و البسه سوارا واعطوه سوط عنج”. ( ود ضيف الله:٢٩٤)

والعنج الذين ينسب لهم السوط ورد انهم :” في نهاية القرن الثالث عشر كانوا يسكنون ديار كبابيش و بعض مناطق البطانة والجزيرة و تجاوزها للمناطق النيلية”. ( ممحمد؛ ١٩٥٣م: ٢٤٣_ ٢٤٤)

 وتستمر الاهزوجة بلسان العتود فرطوق الذي هو رمز للسوط و صفاته من أداة الولاية و طارد الشياطين و أداة تأديب لطلبة الخلاوي، مخاطبا المك عدلان: سل السيف (اخرجه من غمده) واضربني به علي( الكتيف) تصغير كتفي الذي( يدر) سال منه الدم ، فحملني بنات عمي ثم ختني (وضعنني) في ابريق ( وهو اداة تحفظ ويحمل فيه الماء عند قضاء الحاجة ) و هو رمز او اداة ولاية لمشايخ الصوفية ما عدا الركوة المصنوعة من جلد الحيوان لانه كان كان بها روح، هذا الابريق بداخله من الحروز و التمائم من (الكتبات او الحجبات) و هي اوراق عليها طلاسم او آيات قرآنية و التي تكتب بغرض ان تحمي من يعلقها في رقبته و غيره.

ومن هنا ندخل في خوارق و كرامات المتصوفة التي تدخل في علم الباطن و لا يؤمن بها من هم عرفوا علم الظاهر :

هذا الابريق يعبر به بئر عريضة من غير حواف مبنية (بلا عتبات)، و ياخذ الماء من البير من غير أن ينشله ب(السلبات) وهي جمع سلبة وهو الحبل المتين الذي يتحمل النشيل و يمشي حافيا (بلا نعلات) يمشي فوق الاشواك التي يمر بها.  

اما بابور كوستي و هو مركب شراعي في جانبيه صاريتان لذلك سمي (ام رقبات) ، ربما هذا ما شافه فرطوق في للمستقبل، أو ما أضيف للاهزوجة في اثناد انتشارها اثقافي لمدينة كوستي. 

ما أجمل حجانا و كلامنا القديم، اتمنى ان يعرفه الجيل الجديد.

 

من اهازيجنا الشعبية السودانية”، (كتاب غير منشور)، لسلوى عبد المجيد أحمد المشلي، 2024. (*)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع