تقارير

الضربة التي غيّرت قواعد اللعبة: قرار واحد… وهزّة في قلب الدولة

تقرير - د.فولينو جوض 

قراءة تحليلية في إقالة بنجامين بول ميل، إعادة تشكيل مفاصل الدولة، وأزمة الخلافة في جنوب السودان.

مقدّمة: حين يتحول المرسوم إلى زلزال سياسي

أحياناً لا تحتاج الأنظمة إلى حرب أو انقلاب كي تهتز أركانها؛

يكفي قرار واحد – مكتوب في سطور قليلة – ليكشف ما كان مخفياً، ويهز توازنات القوة داخل قلب النظام.

هذا ما حدث مع القرار الرئاسي الذي أطاح ب بنجامين بول ميل:

إقالة من منصب نائب الرئيس، عزله من قيادة الحركة الشعبية، تجريده من رتبته العسكرية من “فريق” إلى “جندي”، وفصله من جهاز الأمن الوطني.

إنه ليس مجرد تعديل في التشكيل الحكومي، بل هزة عميقة تطرح أسئلة خطيرة حول:

١- طبيعة العلاقة بين سلفا كير وبول ميل،

٢- وكيف تُدار السلطة في جنوب السودان،

٣- وما معنى الخلافة السياسية في نظام يخشى حتى ظلّ البديل.

“من يُصنَع بمرسوم يمكن أن يُمحى بمرسوم، ومن يُقدَّم كوجه مستقبل يمكن أن يتحول إلى “لا شيء سياسيّاً” بين ليلة وضحاها.”

و “الخليفة لم يُعلَن بعد.”

هاتان العبارتان تختصران جوهر اللحظة السياسية في جنوب السودان:

نظام يصنع الرجال ويُسقطهم بالمراسيم، ودولة تعيش على حافة سؤال مؤجَّل عن من يخلف سلفا كير، من غير مسار واضح أو قواعد مستقرة للانتقال.

في هذا المقال نحلّل، بمنهج أقرب إلى الدراسة العلمية في “الاقتصاد السياسي للسلطة”، تداخل خمسة ملفات:

١. إقالة بنجامين بول ميل وتجريده من شرعياته الثلاث (الدستورية، الحزبية، الأمنية).

٢. إقالة محافظ البنك المركزي ورئيس هيئة الإيرادات.

٣. التغييرات السريعة في قيادة الجيش بين داؤ أطورجونق وبول نانق.

٤. التبدّل المتكرر في وزارتي المالية والبترول بوصفهما مركزَي المال والريع النفطي.

٥. أزمة الخلافة داخل نظام سلفا كير والحركة الشعبية.

أولاً: بنجامين بول ميل… صناعة رجل نظام كامل ثم تفكيكه

١. صناعة ثلاث شرعيات من فوق

صعد بنجامين بول ميل من خارج النخبة العسكرية الكلاسيكية؛ جاء من عالم المال والعقود، ثم قُرِّب من الرئاسة وأُلبِس ثلاث عباءات دفعة واحدة:

١- شرعية دستورية: تعيينه نائباً للرئيس ورئيساً لعنقود الاقتصاد.

٢- شرعية حزبية: ترقيته إلى موقع قيادي في قمة الحركة الشعبية (نائب/مساعد رئيس الحزب).

٣- شرعية أمنية/عسكرية: منحه رتبة فريق/جنرال في جهاز الأمن الوطني.

في بضعة أشهر، تحول من “رجل أعمال مقرّب” إلى رجل نظام كامل: رجل مال، دولة، حزب، وأمن.

٢. تفكيك الشرعيات بالمنطق نفسه

القرار الأخير جاء ليعكس الصورة:

١- عزله من منصبه كنائب للرئيس.

٢- إقالته من قيادة الحركة الشعبية.

٣- تجريده من رتبته العسكرية إلى “جندي” وفصله من جهاز الأمن.

 

هنا تتجلى عبارة التالية بوضوح:

” من يُصنَع بمرسوم يمكن أن يُمحى بمرسوم، ومن يُقدَّم كوجه مستقبل يمكن أن يتحوّل إلى “لا شيء سياسيّاً” بين ليلة وضحاها.”

فالقرار لم يُرد فقط إبعاده، بل محو صورة “الخليفة المحتمل” من جذورها.

ثانياً: البنك المركزي والإيرادات… السيطرة على قلب المال العام

إلى جانب إقالة بول ميل، أقال كير:

١- محافظ البنك المركزي،

٢- ورئيس هيئة الإيرادات القومية،

في الليلة نفسها، وهما شخصيتان اعتُبرتا من الدائرة المحسوبة على بول ميل أو على الأقل جزءاً من بنية الاقتصاد السياسي التي دعمته. 

هذه المؤسسات لا تدير “إجراءً فنياً” فقط، بل:

١- تتحكم في تدفق الإيرادات،

٢- وتحدد من تُدفع له الرواتب والعقود،

٣- وتشكل قاعدة لتمويل شبكة الولاءات.

إعادة تشكيلها في لحظة إقصاء بول ميل تعني:

١- قطع الشرايين المالية لأي مشروع سياسي مرتبط به،

٢- وتركيز القرار المالي في يد دائرة أكثر ضيقاً حول الرئيس.

ثالثاً: وزارة المالية… باب الدولة إلى السوق ورئة النظام السياسية

١. ثمانية وزراء مالية في خمس سنوات تقريباً

التقارير الدولية تشير إلى أن وزارة المالية في جنوب السودان تحولت إلى “باب دوّار”:

١- منذ 2020 تم تغيير وزير المالية سبع أو ثماني مرات، في نمط متكرر من الإقالة السريعة والتعيين دون تعليل واضح.

٢- آخر تلك الإقالات كانت في نوفمبر 2025، عندما أقال كير الوزير أثيان دينق أثيان بعد شهرين فقط من تعيينه، وسمّى برنابا باك شول خلفاً له.

هذا التغيّر المتكرر لا يمكن تفسيره فقط بسوء الأداء؛ بل يشير إلى:

١- استخدام وزارة المالية كـ أداة ضبط سياسي،

 حيث يُزال كل وزير يكتسب قدراً من الاستقلال أو لا يلبي توقعات الشبكات النافذة في توزيع الموارد.

٢. وزارة المالية كجزء من معركة الخلافة

في سياق صعود بول ميل، السيطرة على وزارة المالية – مباشرة أو عبر رجال مقرّبين – تعني:

١- القدرة على تمويل الكتلة السياسية والاقتصادية التي تلتف حوله،

٢- خلق رصيد “إنجاز” أو “حركة مال” يمكن تحويلها إلى رأسمال سياسي في معركة الخلافة.

وحين قرر النظام كسر بول ميل، كان من المنطقي – بمنطق السلطة – أن:

١- يضبط وزارة المالية من جديد،

ويعيدها إلى يد أشخاص يَدينون بولائهم مباشرة للرئيس، لا لأي قطب صاعد.

بهذا، تصبح وزارة المالية جزءاً من معركة: حماية “أمن الكرسي” من خلال التحكم في “أمن الخزينة”.

رابعاً: وزارة البترول… ريع النفط بين التكنوقراط والسياسة

١. البترول: شريان الدولة الوحيد تقريباً

النفط يشكل:

١- الغالبية الساحقة من إيرادات الدولة،

٢- وعصب الموازنة،

٣- وأداة التفاوض مع الخارج (شركات، دول، مؤسسات مالية).

لذلك فوزارة البترول ليست قطاعاً فنياً فحسب، بل غرفة تحكم في السياسة والاقتصاد معاً.

٢. إقالات سريعة وإعادة تدوير في منصب الوكيل/وكيل الوزارة

خلال أسابيع قليلة:

١- أقال كير وكيل وزارة البترول دينق لوال وول، وعيَّن بدلاً عنه شول دينق طون أبيل؛

٢- ثم بعد أسبوع واحد فقط أقال شول طون أبيل وأعاد دينق لوال إلى منصبه السابق.

كما أشارت تقارير أخرى إلى إقالة مسؤولين آخرين مرتبطين بالبترول والمؤسسات النفطية الوطنية.

هذا التذبذب السريع في موقع حساس كهذا يوضح:

١- أن استقرار الإدارة النفطية ليس أولوية مقارنة باستقرار الولاء السياسي.

٢- أن من يتولى هذا الموقع يجب أن يكون “مضموناً” تماماً من زاوية الولاء، لا قوياً بما يكفي ليبني شبكة مصالح مستقلة.

٣. البترول كعامل في ملف بول ميل

تقارير أممية ودولية ربطت اسم بول ميل بملفات فساد في عقود “النفط مقابل الطرق”، حيث اختفت مليارات الدولارات ولم تُنجز البنى التحتية كما وُعِد.

الصلة بين البترول، والعقود، والبنك المركزي، ووزارة المالية، تجعل من:

١- إعادة تشكيل قمة وزارة البترول جزءاً من عملية تطهير واسعة لشبكات المال المرتبطة به،

٢- أو على الأقل، إعادة ترتيبها بحيث تعود إلى دائرة نفوذ الرئاسة المباشرة.

مدير الجهاز المقال

خامساً: الجيش بين داؤ أطورجونق وبول نانق… الأمن الصلب في لعبة الخوف

إلى جانب المالية والبترول:

١- أُقيل القائد العام للجيش الجنرال داؤ أطورجونق بعد فترة قصيرة من تعيينه،

٢- وأُعيد بول نانق إلى قيادة القوات المسلحة.

هذا التلاعب السريع في قيادة الجيش يعني:

١- أن الأمن الصلب هو الآخر جزء من هندسة الخلافة،

٢- وأن السلطة لا ترغب في قائد جيش يمكن أن يتحوّل إلى قطب مستقل أو أن يرتبط بأي جناح سياسي غير مضمون.

النتيجة البنيوية:

١- تسييس المؤسسة العسكرية،

١- ضعف استقرار قيادتها،

٢- واستحالة بناء عقيدة مهنية متماسكة في ظل تغييرات مرتبطة بصراعات القمة.

سادساً: إعادة تدوير الرجال… إقالة اليوم واستدعاء الغد

إعادة بول نانق إلى قيادة الجيش بعد إقالته سابقاً، واستعادة أسماء سابقة في المالية والبترول أو في مواقع استشارية، تكشف نمطاً:

١- دائرة الثقة ضيقة،

٢- والكوادر الجديدة لا تُبنى،

٣- والنظام يُفضّل “المجرَّب المضمون” على “الجديد غير المتوقَّع”.

هذا النمط:

١- يُضعف المؤسسية،

٢- ويجعل النخبة تعيش في حالة “أمن وظيفي هش”،

ويعزز منطق:

  “مصيرك بيد المرسوم، لا بيد القانون أو الأداء”.

سابعاً: أزمة الخلافة… عبارة “الخليفة لم يُعلَن بعد” كتشخيص سياسي في قلب كل ما سبق، يقف سؤال واحد:

مدير الجهاز المقال

من بعد سلفا كير؟

حتى الآن:

١- رياك مشار مقيَّد ومتهم بالخيانة.

٢- بول ميل تم تفكيكه سياسياً وعسكرياً وحزبياً.

٣- لا يوجد مسار واضح داخل الحزب (مؤتمرات، انتخابات داخلية) يُنتج خليفة شرعياً.

٤- ولا يوجد أفق انتخابي مستقر نظراً لتأجيل الانتخابات وتعثر تنفيذ اتفاق السلام.

هنا تصبح العبارة التالية: “الخليفة لم يُعلَن بعد” ليست مجرد جملة بل:

– خلاصة أزمة بنيوية: الخلافة موجودة كهاجس وخوف وترتيبات سرّية، لكنها غير موجودة كمشروع معلن ومسار مؤسسي متفق عليه.

هذا الفراغ في ملف الخلافة يفسّر كثيراً من الحركات:

١- الإقالات في المالية والبترول،

٢- إعادة هندسة الجيش،

٣- تفكيك بنية بول ميل،

٤- وإبقاء كل مراكز القوة في حالة دوران حول شخص واحد لا حول دستور ثابت.

ثامناً: بين أمن الدولة وأمن الكرسي

حين ننظر إلى المشهد عبر عدسة “أمن الدولة” مقابل “أمن النظام”، نرى:

١- القرارات لا تستهدف أولاً بناء مؤسسات أقوى،

٢- بل تستهدف ضمان أن لا يظهر مركز قوة قادر على التفاوض أو التمرّد داخل النظام.

إقالة وزير مالية بعد شهرين، وتبديل وكيل البترول بعد أسبوع، وإقالة محافظ بنك، وتغيير رأس الجيش، وإزالة نائب رئيس قوي… كل هذا يشير إلى منطق: 

١- حماية الكرسي من أي احتمال بديل،

٢- أكثر مما يشير إلى مشروع إصلاح للدولة.

خاتمة: دولة تعيش تحت ظل مرسوم… والخليفة لم يُعلَن بعد

عندما:

١- يُصنَع رجل نظام كامل مثل بنجامين بول ميل بالمراسيم ويُمحى بالمراسيم،

٢- تُغيَّر قيادة الجيش بهذه السرعة،

٣- تُدار وزارة المالية ووزارة البترول والبنك المركزي كحقائب يمكن تبديلها في أي لحظة،

فإن الرسالة العميقة هي:

١- أن المؤسسات لم تترسخ بعد،

٢- وأن المستقبل السياسي للبلاد يظل معلَّقاً بإرادة فرد وشبكة ضيقة حوله،

٣- وأن الخليفة لم يُعلَن بعد لأن النظام لم يحسم بعد:

  هل يقبل بانتقال منظم للسلطة،

  أم يواصل تأجيل السؤال إلى أن تفرضه لحظة أزمة أكبر؟

من منظور علمي، يمكن القول إن جنوب السودان اليوم يعيش:

١- بين حاضر يُدار بمنطق “إدارة الخوف من البديل”،

٢- ومُستقبل لا يُبنى بمنطق “مأسسة البديل”.

وما لم يُفتَح ملف الخلافة وإصلاح المؤسسات بجدية – عبر دستور فعّال، وانتخابات حقيقية، واستقلال نسبي للمالية والبترول والجيش عن صراعات القمة – ستظل كل إقالة عليا هزّة في قلب الدولة، وستظل عبارتاك صالحتين لوصف كل موجة قادمة:

من يُصنَع بمرسوم يمكن أن يُمحى بمرسوم… والخليفة لم يُعلَن بعد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى