في إحدى القرى التي يزرع أهلها (البصل) ويعتبرون المصدر الرئيسي له، ويتحكّمون في سوقه وأسعاره، ويدر عليهم أموالاً طائلة، نزل مهندس زراعي درس في الخارج، وجاء مشروقاً بحاجة اسمها (الفراولة)، معتقداً أن (العولمة) هي (الفراولة)، قعد ليك مع المزارعين وقال ليهم طول ما إنتوا بتزرعوا (البصل) أصلو ما بتتقدموا ولا بتمشوا لي قدام، العالم تطور والأسواق العالمية والبورصة غزت بشئ اسمها (الفراولة)، إنتوا قاعدين وين؟ ما جايبين خبر.. إنتوا برّه الخريطة، ازرعوا فراولة وألحقوا العالم، البصل دا موضة وانتهت.
بدأ المزارعون يفكرون في طرحه، أُعجبوا بموضوع (الفراولة) دي وقالوا يتحرّروا من (البصل).. قد يكون في ذلك شئٌ من التقدم والتحضر.
عددٌ كبيرٌ من المزارعين اقتنعوا وبدأوا يدعون للفراولة ونادوا بالتخلص من البصل ذي الرائحة الكريهة.
قالوا فيما بينهم ما في حاجة جابتنا للوراء غير البصل والعدس، نحن لازم نخش العولمة.
مع ذلك كانت هنالك كتلة واعية من المزارعين تعارض هذا الاتجاه وأعلنت عن تمسُّكها بالبصل، قالوا للناس نحن لحم أكتافنا من (البصل)، يا جماعة البصل بعرفنا ونحن بنعرفهُ، والفراولة دي ما بنفهم فيها شئ ـ أحسن ما نتنكر ليه.. النسى قديمه تَـاه.
الخلافات اشتدت بين الطرفين، حزب الحداثة يدعو لزراعة الفراولة، والحزب الطائفي التقليدي يدعو للتمسك بالبصل وعدم التخلي من الموروث الزراعي القديم.
التياران المتصارعان حول ما يُزرع في الموسم الزراعي قرّرا الذهاب الى حكيم القرية والاختصام عنده، ناس الفراولة قدّموا مبرراتهم، وناس البصل قدّموا وجهة نظرهم، وكل سرد دفوعاته وقدم مرافعته بشئ من الثورية، فقال لهم حكيم القرية (المنطق) بقول تزرعوا البصل، لأن المناخ والارض والبيئة بصورة عامة تتوافق مع البصل، إضافةً إلى أن خبراتكم في زراعة البصل كبيرة، وبتعرفوا تزرعوه وتحصدوه وتخزِّنوه وتسوِّقوه ـ الفراولة ما بتعرفوا فيها الحبة.
الفراولة نبتة دخيلة علينا، وزرعة غربية فاجتنبوها.
الفراولة دي ما شغلتكم، وشغلة ما بتفهموا فيها أحسن ما تدخلوا عليها.
تيار الفراولة طلع من الاجتماع وأصروا على زراعتها، وقالوا العالم بتقدم من حولنا ونحن واقفين في البصل.. قالوا يا نحن يا البصل في البلد دي.. وركبوا رأس وزرعوا الفراولة.
بعد ستة أشهر ناس الفراولة خسروا خسائر تقيلة ودخلوا كلهم السجن بسبب الديون والقروض وفشل موسم الفراولة تماماً.. لم يحصدوا منه غير أوامر القبض ومُلاحقات البنوك.
أتذكر مرة كلّمتكم عن الفراولة دي.. لكن إنتوا بتنسوا.
الجماعة دخلوا في مشاكل وأزمات عويصة، وعرفوا أن استبدالهم للبصل بالفراولة كان غلطة عمرهم وأن حكيم القرية عندما أشار إليهم بأن المنطق يقول ازرعوا البصل كان معه حق، واقتنعوا أن (المنطق) هو سبيلهم الأول والأخير، وهو الذي سوف يحدد سير اتجاهاتهم ومصير حياتهم في المستقبل، قرروا أن يكون قرارهم لاحقاً حسب (المنطق)، وأصبحوا كل ما يحدث شئ في القرية ويحدث خلاف يمشوا على حكيم القرية وبقولوا ليه المنطق بقول شنو؟ ويمشوا مع المنطق.
بقوا اصلو ما بخالفوا المنطق.
هزيمة المنتخب السوداني من نظيره العراقي كانت خسارة (منطقية)، المنطق بقول كدا ـ نحن خسرنا من المنطق وليس العراق.
نحن عندما ننتصر بنفرح وأحلامنا بتزيد وبنفكر في الكأس وبنقول ما في حاجة بتنقصنا، وبنصدِّق روحنا ـ والحقيقة نحن بتنقصنا حاجات كتيرة، يفترض أن لا نغفلها.
عندما ننتصر ـ بدخلوا ناس ما عندهم علاقة بالكورة وبرفعوا روحنا المعنوية، وبنفخوا معانا ـ وأول ما تحدث هزيمة، ديل أول ناس بقلبوا علينا.
نحن ممكن ننتصر مرة، مرتين، لكن علينا أن لا ننسى الهزيمة، لأن واقعنا أقرب إليها.
ننتصر نفرح ونحلم، ما في مشكلة، لكن عندما نخسر يجب أن لا نحطم كل شئ، علينا أن لا نحبط ونرجع تاني نبدأ من الصفر.
منتخبات وأندية أفضل منّا كثيراً ـ أفضل منّا في أي حاجة بتخسر عادي، نحن إذا خسرنا لا يعني ذلك نهاية الدنيا ولا تعني الخسارة أننا كعبين وأننا أصلاً لم نكن نستاهل أو نستحق النصر.
في الهلال والمريخ عندما يخسر نادٍ يمكن أن تحدث مناوشات وسخرية من النادي الآخر ـ هذا أمرٌ عادي، لكن إعلام وجمهور النادي الذي يخسر يجب أن يدعم فريقه ويقف معه عند الخسارة، وعندما يخسر منتخبنا، جميعاً يجب أن نقف مع المنتخب.
هذه الظروف التي يلعب فيها المنتخب وتلعب فيها الأندية السودانية تستوجب منّا أن نقف معها ـ هم مشكورون على ما يقدمونه بغض النظر عن النتيجة.
إذا نظرنا للمنتخب في بطولة العرب سوف نجد أن هذا المنتخب يقدم فوق طاقته ويفعل ما يشبه المستحيل.
لا أريد أن أقول إنّ كل عناصر المنتخب السوداني لم تشارك في أي مباراة من مباريات الدوري، لأنّ هذا كلام تعبنا منه ـ حتى عناصر الهلال والمريخ انضمت للمنتخب دون المشاركة مع القمة السودانية في الدوري الرواندي، أما عبد الصمد منن ومنجد النيل وغيرهما من اللاعبين الذين اُختيروا للمنتخب بعيداً عن الهلال والمريخ فهم يشاركون من منازلهم.
لاعبا المريخ في المنتخب أبوجا وطبنجة آخر مبارياتهما مع المريخ في أغسطس الماضي في التمهيدي الأول وحارس المنتخب لم يشارك وقتها مع المريخ، لذلك فإن ما يقدمه أبوجا يعتبر إعجازاً كروياً.
أما عن لاعبي الهلال فحدث ولا حرج، هل تعلم أنّ لاعبي الهلال في المنتخب في ظرف 15 يوماً شاركوا في 5 مباريات، أي أنّهم في كل 72 ساعة يخوضون مباراة إما مع الهلال أو مع المنتخب، وهي مباراة من العيار الثقيل وهي مصيرية وفاصلة وصعبة وأمام منافس شرس ـ تحديداً خمسة عناصر أساسية في المنتخب من الهلال عاشت تلك الظروف ولعبت في 15 يوماً 5 مباريات، بدايةً من مواجهة المولودية في كيجالي يوم 21 نوفمبر، ثم السفر إلى الدوحة لمواجهة لبنان، ثم العودة إلى رواندا والسفر مع الهلال إلى الكونغو لمواجهة سانت لوبوبو، ثم السفر إلى الدوحة للمشاركة مع المنتخب في كأس العرب ومواجهة الجزائر بطل نسخة كأس العرب الماضية، ثم مواجهة العراق في 6 ديسمبر الجاري، والعراق أحد أفضل المنتخبات الآسيوية والعربية والمرشحة للوصول إلى نهائيات كأس العالم، ومن بعد ذلك سوف يواجهون منتخب البحرين، قبل ذلك كان لاعبو الهلال في ترحال بين رواندا وعُمان، حيث واجهوا المنتخب العُماني في معسكر إعدادي قبل مواجهة لبنان في تصفيات كأس العرب.
هذه المباريات تخللتها فواصل سفرية طويلة، تمتد بعض رحلاتها إلى أكثر من (9) ساعات، في الوقت الذي نجد فيه أن أطول رحلة للمنتخب العراقي ولاعبيه في الفترة الأخيرة لم تتجاوز نصف ساعة أو 45 دقيقة.
لذلك كان منطقياً أن يخسر المنتخب السوداني (المُرهق) أمام المنتخب العراقي (المرتاح).
علينا أن نشكر لاعبي المنتخب السوداني لأنهم صمدوا قرابة 80 دقيقة أمام المنتخب العراقي بعد أن كانوا قد فازوا في ملحمة على لبنان وتعادلوا في ملحمة أخرى أمام الجزائر.
المنتخبات التي تشارك في كأس العرب مرتاحة من كل النواحي، ومنتخبنا يعاني لاعبوه حتى في الحصول على حافز الانتصارات والوصول للنهائيات.
لاعبو الهلال والمريخ في المنتخب يشاركون مع أنديتهم في البطولة الأفريقية قبل المشاركة في الدوري المحلي ويلعبون مع المنتخب في تصفيات “الكان والشان وكأس العالم وكأس العرب”، فشلوا في الوصول إلى نهائيات كأس العالم التي كانوا أقرب منها، ووصلوا ولعبوا في نهائيات الشان والعرب وسوف يلعبون في نهائيات الكان ـ كل هذه التصفيات والنهائيات نشارك بها بمنتخب واحد، الأسماء نفس الأسماء في جميع المنافسات ـ الغربال وكرشوم وإرنق وروفا وصلاح عادل وجوباك، هذه الأسماء شاركت في كل المباريات في كل المنافسات والمناسبات، بما في ذلك المباريات الودية، إلى جانب الطيب عبد الرازق وسيمبو وياسر مزمل ومازن فضل وطبنجة وأبوجا والرشيد وكانتي وبخيت خميس وأبوعاقلة وجون مانو.
هل تعلم أنّ بعض الدول العربية تشارك بالمنتخب الثاني حتى توفر للمنتخب الأول قدراً من الراحة ـ مثل المنتخب المصري، ومن يشارك منهم بالمنتخب الأول، يشارك مع غياب عدد من المحترفين الذين يلعبون في الدوريات الأوروبية مثل المغرب والجزائر وتونس.
إنّ ما يقدمه المنتخب السوداني يعتبر إنجازاً في ظل هذه المعطيات وهم يُشكرون على ذلك، ويُشكر كذلك جهازهم الفني بقيادة كواسى أبياه، لأنهم يقدمون ما يشبه المستحيل.
شكراً لهم فهم يستحقون التحية والتقدير، لا النقد والتقريح واللوم.
ليس هنالك منتخبٌ في الأرض يستطيع أن يقدم ما يقدمه منتخبنا السوداني والبلاد تمر بهذه الطروف.
أما إذا كانت هنالك مقارنة بين المنتخب السوداني ومنتخبات أخرى عاشت نفس ظروفنا مثل المنتخب الفلسطيني أو السوري التي عاشت بلادهم سنوات حرب صعبة في الفترة الماضية، فإنّنا نقول عن هذه المقارنة إنها ظالمة، لأنّ عناصر تلك المنتخبات غالبيتها محترفة تلعب في دوريات خارجية في الخليج أو في بعض الدول العربية الأخرى، وهي عناصر مستقرة وتشارك في دوريات خارجية، عكس عناصر منتخبنا الوطني التي تقاتل مع المنتخب وتقاتل مع الهلال والمريخ وتعيش معاناة حقيقية بسبب حرب السودان.
لا يُوجد في تلك البطولات منتخبٌ يعاني كما يعاني المنتخب السوداني.
إنّ الذين ينتقدون المنتخب ويهاجمون لاعبيه وجهازه الفني لا يختلفون في شئٍ عن من يهاجمون الوطن في تلك الحرب اللعينة ـ نعم هم لا يختلفون كثيراً عن مليشيا الدعم السريع في حربها على منشآت الوطن وبنيته التحتية.
المنتخب الوطني والهلال والمريخ هم قوتنا الناعمة، يجب الحفاظ عليها ودعمها في هذه الحرب حتى لا نفقدها كما فقدنا أشياءً كثيرة في الفترة الأخيرة.
على الهلالاب أن يدعموا هلالهم، وعلى المريخاب أن يدعموا مريخهم وتبقى بيننا المشاغبات والانتقادات التي لا تخرج عن السياق والتنافس الرياضي فما يحدث بيننا جزءٌ من اللعبة والتنافس.
أما المنتخب الوطني فكلنا يجب علينا أن ندعمه ـ ويبقى النقد بعيداً عن إشاعة روح الإحباط أو تنفير الجماهير عن منتخبهم.
في هذه الفترة الصعبة نحن في حاجة للمزيد من التماسك والصبر والحب.
…
متاريس
الإرهاق والتعب البدني والذهني أيضاً كان واضحاً على لاعبي المنتخب.
أمام البحرين أتمنى أن تتاح الفرصة لعناصر أخرى، فهذه العناصر أُرهقت وتعبت واُستهلكت، ويجب أن ترتاح قليلاً قبل المشاركة في نهائيات الأمم الأفريقية بالمغرب.
لا توجد بدائل.. لأن الهلال والمريخ وحدهما من يلعب ويشارك.
صعبٌ للجهاز الفني أن يختار عناصر من الميرغني والأمل والأهلي مروي، بدون دوري.
العناصر الجاهزة فقط في الهلال والمريخ، وعناصر المريخ كلما تقدمنا في التنافس فقدت جاهزيتها بسبب الخروج من البطولة الأفريقية.
لا أعتقد أنّ دوري الدرجة الأولى في بربر يمكن أن يقدم لاعباً للمنتخب، والدوري الرواندي المريخ يخوض فيه مبارياته بتشكيلة تتكوّن من عشرة أجانب.
أدعموا المنتخب، فليس هنالك أفضل مما كان.
هذا أقصى ما يمكن.
أي زول بقول ليكم كلام غير دا “بغشكم ساكت”.
منتخبنا في حاجة للراحة.
في ظرف 15 يوماً من تاريخ 21 نوفمبر وحتى 6 ديسمبر، خاض لاعبو الهلال في المنتخب مع ناديهم ومنتخبهم 5 مباريات.
هذه المباريات أُقيمت في الدوحة وكيجالي ولوممباشي.. يعني أُقيمت في ثلاث دول مختلفة.
والله حرام عليكم.
يا متعلمين يا بتوع المنطق ـ الكلام البقولو ليكم فيه دا منطق والّلا ما منطق؟
…
ترس أخير: كدا وقعــت ليكم؟