منوعات
الوجه الآخر للمأساة… الفن السوداني في زمن الحرب
عبر فنانون عن حال الدمار الهائل وبعضهم بحث عن وسائل للمقاومة بينما تجاوزها آخرون إلى ما هو أبعد

تقرير – منى عبد الفتاح
عانى السودانيون حروباً طويلة في إقليم الجنوب ودارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وعلى رغم ما خلفته هذه الحروب من مآس وحياة مليئة بحالات اللجوء والنزوح والشتات، إلا أنه عبر عنها من خلال الفن بأشكاله المختلفة، فكانت الأغنيات الملحمية الطويلة والخفيفة المتداولة شعبياً بلهجات البلاد المختلفة.
كما كان للفن التشكيلي سهمه العالي في التعبير عن بشاعة الحرب، ودخل الإنتاج السينمائي في التعبير عن تلك الفترة وتداعياتها التي تمظهرت في انفصال السودان من خلال أعمال عدة، منها فيلم “وداعاً جوليا” الذي حصد عدداً من الجوائز الدولية.
في الحرب الحالية، التي أكملت العام من دون حل يلوح في الأفق، عاش السودانيون حال صدمة كاملة، امتد أثرها من الخرطوم إلى أقاليم عدة، إذ كانت كلها بما فيها العاصمة بمدنها الثلاث تمثل سابقاً الملاذ الآمن للنازحين من الجنوب ودارفور وجبال النوبة، لتختبر أرواحهم حرباً لم يألفوها من قبل، لذلك ألجمت قدرتهم التعبيرية الدهشة إلى حين، ثم استفاقوا للتعبير عن تلك الحالة فنياً.
في المرحلة التالية من الحرب لم ينفصل السودانيون عن حياتهم ومناسباتهم الاجتماعية التي طغت فيها السياسة على الفن، فضجت بحفلات الزواج مسارح وصالات مدن عربية مثل الرياض ودبي والقاهرة والدوحة وغيرها، وعواصم غربية خصوصاً تلك التي تحتضن أعداداً كبيرة من الجالية السودانية واللاجئين، وفي آخر كل حفلة يختم الفنان حفلته بأغنية وطنية حماسية.
حشد الفن
لعبت الروحانيات الأفريقية والديانات القديمة دوراً في الحروب السودانية التاريخية، فكانت تستخدم الأغاني للتحفيز على الحرب في الممالك القديمة، كما كان لها دور مميز خلال أعمال السخرة التي فرضها المستعمر على السودانيين للتخفيف عن الأعباء النفسية والجسدية.
وفي التاريخ الحديث ظهرت الحكامات، و”الحكامة” في اللهجة السودانية هي شاعرة ومغنية شعبية، تمتلك شخصية قيادية، ارتبط دورها بإثارة الحماسة لدى رجال قبيلتها ومدحهم وإسباغ صفات الشهامة والشجاعة وغيرها في حال الإغارة على قبيلة أخرى.
وفي عهد الاستعمار كانت “الحكامة” تحض المحاربين على مواصلة الحرب ضده، وفي حين يرى بعضهم أن لها دوراً إيجابياً في التفاعل مع الأجواء السائدة، يرى آخرون أنها تثير الحنق وتستخدم أغنياتها للدفع بمجتمعاتها إلى حروب ثأرية طويلة.
تطورت الصور الفنية إلى أخرى أيديولوجية، برعت فيها حكومة الرئيس السابق عمر البشير خلال حرب النظام ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق دي مبيور، ثم حرب دارفور وتمت عملية أدلجة كاملة لكل المؤسسات الفنية الرسمية والشعبية، فأصبح التفكير في تعبير فني خارج صندوق النظام ضرباً من التكفير.
بعد انتفاضة ديسمبر (كانون الأول) 2018، بدأ التعبير من خلال عشرات اللوحات الجدارية على أوجه بنايات الخرطوم لتوثيق الثورة وتخليد ذكرى الثوار الذين سقطوا برصاص أمن النظام السابق. تنوعت الجداريات بين رسم الحشود الجماهيرية، ونماذج لأسلحة معبرة عن الملاحقات الأمنية، ومسارح مفتوحة في ميدان الاعتصام بالقيادة العامة للقوات المسلحة.
أما هذه الحرب فيعيشها فنانون مما دفعهم لاستغلال موهبتهم للتعبير عن أنفسهم أولاً، ثم لفت أنظار المجتمع الدولي إلى قضيتهم التي تتجاوز المدى الزمني لهذه الحرب، إلى جذورها وتداعياتها. وعليه جاء دور الفنانين في زمن الحرب، بمختلف وسائلهم، عبر بعضهم عن حال الدمار الهائلة، وبعضهم بحث من خلالها عن وسائل للمقاومة من خلال حشد الفن من أجل ترسيخ مفاهيم دعائية من منطلقات سياسية، بينما تجاوزها آخرون في أشكال تخيلية مستفيدين من دافعيتها للإبداع.

رمزية عالية
قال الفنان التشكيلي راشد دياب عن تجربته الفنية خلال الحرب “الفن التشكيلي يعبر عن الإحساس بالأشياء بشكل مختلف بصرياً، عندما اندلعت الحرب خرجت من الخرطوم، وكان الخروج نفسه عشوائياً، إذ طردنا من منازلنا وتركت ورائي حياتي وتاريخي وذاكرتي الفنية”.
وأضاف “لم نطرد من الأرض وحدها، فالأرض ستبقى ولكنني بسبب الحرب أفتقد ذكرياتي وممتلكاتي ومعظمها ذات رمزية عالية غير قابلة للتعويض مثل الجوائز والهدايا الخاصة، والتذكارات والشهادات التقديرية والتوثيق للرحلات المختلفة، فهي عصارة 50 عاماً من الحركة في العالم مع شخصيات مختلفة وفي مناسبات عدة”.
وعن أثر الحرب الحالية في الفن، أورد الفنان التشكيلي “بعد شهر واحد من الحرب أنتجت أعمالاً شاركت بها في معارض دولية، وكان أول معرض بعد الحرب في لبنان في مايو (أيار) الماضي، ثم في نيروبي والبرتغال والمغرب”.
وأضاف “كان معرضاً متنقلاً لازم لوحاته إحساس غريب علق عليه الزائرون، وهو إحساس الظلم والقهر الذي يطفر من اللوحات، عبرت فيها تعويضاً عما يمكن أن يقال في وحدة زمنية محددة”.
قدرة تعبيرية
على مستوى الرؤية الخاصة بالفنان يرى دياب أن “هذه الحرب أنتجت أعمالاً من منطلق مختلف ومن زاوية حرصت من خلالها على الوصول إلى حقائق الداخلية للمرئيات، فبرزت في أعمالي الصورة التخيلية العقلية وعبرت عن تركيبة الجهل والعنف والغباء”.
وأشار إلى أن “هناك أشياء سردية يعبر عنها كل بطريقته، فللروائي طريقة تختلف عن المسرحي، وللشاعر مدرسة تختلف عن تلك التي يتبعها الفنان التشكيلي الذي يعبر عن طريق اللوحة التي تجتمع فيها عناصر مختلفة تخلق إحساساً جديداً”.
وواصل “رؤية الفنان التشكيلي هي مظهر من مظاهر الوجود الإنساني التي تعبر عن الحياة والنفس وتطور الذات، فإذا كانت الذات مغلقة وليس لديها أي التزامات بالتغيير، يكون الناس في حالة مستمرة من النزاعات والحروب، بشكل يطغى على الواقع، كحل سهل”.
وبين “في زمن الحرب يأخذ الناس اعتبارات لأشياء كثيرة غير مرئية، وبديهية مثل ما نملكه ونحس به تجاه السودان والأمن والاستقرار الذي كنا نعيشه، فاتخذت كل تلك المشاعر قيمة جديدة لا بد أن تقابلها قدرة تعبيرية عالية تعيدنا للواقع الذي كنا نحس أنه جزء من تكوين الآخر”.
ويرى دياب أن “للجوانب السياسية والدوافع الاجتماعية والاقتصادية أثراً كبيراً في نوعية الفن، كما أن عدم الاهتمام بالفنون كان له الأثر الواضح في تفاقم الجهل الإنساني. وعدم تطبيع الإنسان على سلوك حضاري جديد يولد حالات كثيرة من الحرمان والاضطهاد والتهميش، مما خلق خامات جيدة لزرع الفتن والعنصرية، وإيجاد مساحة لتبرير الأفعال القبيحة أثناء الحرب مثل السلب والنهب والاغتصاب بحجج واهية”.




