منوعات

تجربة تستحق الاحتفاء: هاشم محمود.. سردية المنفى والانتماء

أرتريا يا جارة البحر

الدوحة – مشاوير: مجدي علي

عندما تجلس إلى هاشم محمود، تدرك أنك لا تجالس روائيًا فحسب، بل ذاكرةً لطيفة وحيّة تمتلك معرفة دقيقة بالأنساب والوشائج بين القبائل الإريترية والسودانية. أدهشني إلمامه بالتاريخ الاجتماعي للمنطقة، وقدرته على استحضار تفاصيله بسلاسة العارف لا المؤرخ، وكأن الجغرافيا ليست عنده حدودًا سياسية، بل امتدادًا إنسانيًا وثقافيًا واحدًا. من هذه المعرفة العميقة، التي تشكّلت مبكرًا ونضجت بالقراءة والوعي، يمكن فهم الكثير من ملامح مشروعه الأدبي.

ظل السودان حاضرًا في وعيه بوصفه المجال الأول الذي تعلّمت فيه اللغة أن تكون بيتًا، والتاريخ أن يكون سردًا حيًا. هناك، في مدن الشرق وحدوده المفتوحة، تشكّلت علاقته المبكرة بالعربية، واتسعت رؤيته للوشائج الإنسانية التي تتجاوز الخرائط، فبدا له السودان وإرتريا جسدًا ثقافيًا واحدًا تتقاسمه الذاكرة أكثر مما تفصله الجغرافيا. وقد شكّلت هذه المرحلة محطة إنسانية وتعليمية أسهمت في صقل وعيه المبكر، قبل أن يتبلور مشروعه الإبداعي لاحقًا بوصفه أحد أبرز الأصوات السردية الإريترية المعاصرة. ومن هذه الإشارة التأسيسية، يمكن الانتقال إلى جوهر تجربته الأدبية التي كرّسها للاحتفاء بالأدب الإرتري، ونقل تاريخه وإنسانه وتحولاته إلى فضاء القراءة العربية والعالمية.

إنتاج هاشم محمود

مشروع سردي متكامل

إلى جانب هذا الثراء المعرفي، يقف هاشم محمود على تجربة روائية وإبداعية ناصعة؛ إذ صدر له حتى الآن أكثر من عشرة أعمال أدبية تنوّعت بين الرواية والمجموعة القصصية، من أبرزها: (الطريق إلى آدال)، (تقوربا) (2017)، (عطر البارود) (2019)، (فجر أيلول) (2021)، (كولونيا الجديدة) (2022)، (الكتيبة 17) (2023)، ثم رواية (عزيز) (2024) التي تحكي تجربة شخصية قاسية للاختفاء القسري والسجن الانفرادي، لتصبح شهادة إنسانية جامعة عن الظلم والقمع في إرتريا، وتجسّد مقاومة الأدب الإرتري في توثيق الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تتجاهله السرديات الرسمية. إضافة إلى مجموعاته القصصية مثل (شتاء أسمرا)، (حارس الجسد) و(الانتحار على أنغام الموسيقى).

وقد حازت هذه الأعمال اهتمامًا نقديًا وإعلاميًا واسعًا في الصحافة الثقافية العربية والعالمية، وجرى تناولها في مقالات ودراسات نقدية وحوارات إعلامية، بوصفها نصوصًا تعيد تقديم التجربة الإريترية بلغة سردية حديثة، وقد تُوّج هذا الحضور بتقدير نقدي وجماهيري ملحوظ، مؤكدًا رسوخ مكانة هاشم كأحد أبرز الأصوات السردية الإريترية المعاصرة.

أحد أعماله

مشروع متماسك

ينتمي هاشم محمود إلى جيل من الكتّاب الإرتريين الذين حملوا همّ التعريف بوطن ظلّ طويلًا خارج الضوء الإعلامي والثقافي. ومنذ عمله الروائي الأول (الطريق إلى آدال) أعلن انحيازه الواضح إلى السرد بوصفه أداة مقاومة ثقافية ووسيلة لحفظ الذاكرة الوطنية من النسيان أو التشويه. لم تكن رواياته مجرد حكايات متخيلة، بل نصوصًا مشبعة بالتاريخ، ومسندة بوعي عميق بطبيعة الصراع الذي خاضه الشعب الإرتري ضد الاستعمار والهيمنة.

وتوالت أعماله لتشكّل مشروعًا سرديًا متماسكًا، تتداخل فيه الرواية بالقصة القصيرة، ويغلب عليه البعد الإنساني والوطني، ليعيد رسم مشاهد من التاريخ الإرتري الحديث، كاشفًا عن أثر الاستعمار الإيطالي، والاحتلالات اللاحقة، ثم قسوة الواقع السياسي، دون أن يقع في المباشرة أو الخطاب الشعاري.

إن إصراره على الكتابة بالعربية يعكس موقفًا ثقافيًا واعيًا، يعبر عن قناعته بعمق الجذور العربية في المجتمع الإرتري، ورغبته في إيصال صوت بلده إلى الفضاء العربي الواسع، وهو ما أسهم في تعزيز حضور الأدب الإرتري عربيًا وفتح نافذة للتواصل بين القارئ العربي وتجربة إرتريا التاريخية والإنسانية.

يمتاز مشروعه بالقدرة على الجمع بين التوثيق والسرد الفني، حيث تتحول الوقائع التاريخية إلى حكايات نابضة بالشخصيات والصراعات والأسئلة الوجودية. ويكاد الوطن، في مجمل هذه الأعمال، أن يكون الشخصية المحورية، الحاضرة في كل تفصيل، والمحرّكة لمسارات السرد.

أحد أعماله

أدوار أوسع

لا يقتصر دوره على كونه كاتبًا منتجًا، بل يتجاوز ذلك إلى كونه فاعلًا ثقافيًا أسهم عمليًا في إخراج الأدب الإرتري من حدوده الجغرافية إلى فضاءات أوسع. فقد تُرجمت أعماله إلى لغات عدة، من بينها الإنجليزية، الإيطالية، الإسبانية، الفارسية، التيجرية، الصومالية، والهندية، ما أتاح للنص الإرتري العبور إلى قارئ عالمي وأسهم في إدراج إرتريا ضمن خرائط السرد العالمي.

إلى جانب هذا الانتشار، حظيت أعماله باهتمام أكاديمي ملحوظ، تُوّج بتدريس بعضها في جامعات آسيوية، وإنجاز رسائل ماجستير ودكتوراه تناولت تجربته السردية، مؤكدة تحوّل أدبه من فعل إبداعي فردي إلى ظاهرة ثقافية قابلة للدراسة والتحليل. وقد تعزز هذا الحضور بنيله عددًا من الجوائز المرموقة، أبرزها جائزة أفضل رواية إفريقية باللغة العربية لعام 2019 عن رواية (عطر البارود)، وجائزة (توليولا) الإيطالية العالمية عن رواية (فجر أيلول).

ولأن هاشم محمود يعي الصعوبات التي تواجه الأدب الإرتري في النشر بسبب ضعف الإمكانات المادية، وضيق فرص الطباعة والتوزيع، وغياب مناخات الحرية الداعمة للكتابة المستقلة، إضافة إلى التثبيط من المحيط الاجتماعي، فقد برز دوره ليس فقط كروائي، بل كداعم ومهموم أسهم في دعم ونشر أعمال أدبية إريترية عدة، إيمانًا منه بأن السرد أداة للوعي والحرية.

إن الاحتفاء بتجربة هاشم محمود هو في جوهره احتفاء بالأدب الإرتري نفسه، الذي وجد في أعماله صوتًا صادقًا وحاملًا أمينًا لذاكرة وطن، ومترجمًا لمعاناة شعب، ومبشرًا بإمكانات السرد بوصفه فعل مقاومة وبناء في آن واحد. ومن خلال هذا المشروع المتواصل، يواصل ترسيخ موقعه كأحد أهم من نقلوا إرتريا من هامش الجغرافيا إلى مركز الحكاية.

هاشم محمود

دعوة للبحث والتوثيق

على الرغم من عمق التداخل الإنساني وتاريخ القرب الاجتماعي بين السودان وإرتريا، ظل هذا المشترك الثري خارج دائرة الاشتغال المعرفي المنهجي. فالعلاقات بين البلدين، بما حملته من تأثير متبادل في الوجدان واللغة والحركة الاجتماعية، لم تُدرس بعد دراسة تليق بأثرها في تشكيل مسارات الشعبين.

ومن هنا، تبدو الحاجة قائمة اليوم إلى أن يلتفت الكتاب والباحثون في إرتريا والسودان إلى هذا الحقل المهمل، لا بوصفه ماضيًا يُستعاد فحسب، بل باعتباره مادة حيّة للفهم والتأويل، وجسرًا ثقافيًا يمكن أن يسهم في إعادة بناء الوعي بالمصير المشترك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى