تقارير
جنوب كردفان بين الحصار والنزوح الجماعي .. الأزمة الإنسانية تتفاقم والضغوط الدولية تتصاعد
تقرير - رشا رمزي

يشهد إقليم جنوب كردفان واحدة من أخطر موجات النزوح الداخلي منذ اندلاع الحرب في السودان، في ظل حصار مشدد وتصعيد عسكري مستمر، ما حول مدنه الرئيسية إلى بؤر أزمة إنسانية مركبة، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية، مع غياب شبه كامل للاستجابة الإنسانية الفاعلة.
نزوح واسع يعكس عمق الأزمة
تشير تقديرات تحالف قوى جبال النوبة المدنية إلى نزوح نحو 825 ألف شخص من مدن جنوب كردفان، خصوصاً كادوقلي والدلنج، خلال الأشهر الماضية، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي تعرض له المدنيون نتيجة القصف والحصار. وصول أكثر من 583 ألف نازح إلى مناطق تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال يوضح أن النزوح لم يكن خياراً آمناً بقدر ما كان محاولة للهروب من الموت والجوع.
هذا النزوح الجماعي لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع في الإقليم، حيث تداخلت خطوط القتال، وتقلصت المساحات الآمنة، وتحولت المدن إلى ساحات استنزاف للمدنيين، سواء عبر العمليات العسكرية المباشرة أو عبر الحصار الاقتصادي.

الحصار كسلاح غير معلن
فرض الحصار على كادوقلي والدلنج بعد التطورات العسكرية في غرب كردفان، وسيطرة قوات الدعم السريع على بابنوسة وهجليج، أدى إلى شلل شبه كامل في الحياة اليومية. انقطاع الاتصالات وتعطل الخدمات الأساسية لم يكن مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل أصبح أداة ضغط إضافية، تحرم السكان من القدرة على التنسيق للمغادرة أو طلب المساعدة.
وتحذيرات التحالف من فرض رسوم مرتفعة على المدنيين مقابل السماح لهم بالمرور، إضافة إلى مصادرة الوثائق الرسمية، تكشف عن نمط من الانتهاكات التي تستهدف المدنيين بشكل مباشر، وتضاعف من هشاشتهم، حتى أثناء محاولاتهم النجاة.
انهيار المعيشة والقدرة على البقاء
الأرقام المتعلقة بارتفاع الأسعار تعكس انهياراً اقتصادياً حاداً داخل مناطق النزاع. فارتفاع سعر السكر من 600 جنيه إلى 24 ألفاً، والعدس من 900 إلى 26 ألف جنيه، في ظل متوسط أجور لا يتجاوز 150 ألف جنيه، يعني عملياً استحالة توفير الغذاء الأساسي لغالبية الأسر.
تكلفة النزوح نفسها تحولت إلى عبء قاتل، إذ يضطر الفارون إلى استخدام وسائل نقل بدائية مثل “التوكتوك” بتكاليف تتجاوز مليوني جنيه، ما يدفع كثيرين إلى المخاطرة بالبقاء في مناطق القتال أو السير لمسافات طويلة وسط مخاطر النهب والعنف.

النظام الصحي على حافة الانهيار
الوضع الصحي في جنوب كردفان يعكس صورة أكثر قتامة للأزمة. خروج معظم المستشفيات عن الخدمة، بما فيها المستشفى العسكري، ومغادرة الكوادر الطبية، جعل الرعاية الصحية شبه معدومة. وجود منشأة طبية واحدة فقط تعمل وسط نقص حاد في الأدوية والإمدادات يعني أن الإصابات الناجمة عن القصف، إضافة إلى الأمراض المرتبطة بسوء التغذية والبرد، تتحول إلى أحكام إعدام بطيئة.
البعد الدولي والضغط السياسي
في هذا السياق الإنساني المتدهور، جاء الموقف الأمريكي ليضيف بعداً سياسياً مهماً للأزمة. فقد عبّرت واشنطن عن “قلق بالغ” إزاء تصريحات قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، التي دعا فيها إلى حلول عسكرية وربط أي هدنة بشروط مسبقة. هذا الرد السريع يعكس خشية دولية من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى إغلاق أي نافذة محتملة للحل السياسي.
الموقف الأمريكي لا يبدو معزولاً، بل يتماشى مع اتجاه دولي متزايد لربط أي دعم سياسي أو إنساني بالتزام فعلي بخفض التصعيد وفتح مسار تفاوضي. وهو ما يضع القيادة العسكرية السودانية أمام معادلة معقدة: الاستمرار في الرهان العسكري، أو الاستجابة لضغوط دولية تتزايد مع تفاقم الكلفة الإنسانية للحرب.




