
أصبح جنوب السودان، أحدث دول العالم استقلالًا، مثالًا صارخًا لفشل الدولة. فمنذ نيله الاستقلال في عام 2011، انحدرت البلاد إلى حالة من الخلل المؤسسي العميق، واتساع الفوارق الاجتماعية، وانهيار منظومة الحكم. فالمؤسسات التي أُنشئت لحماية المواطنين تحولت إلى أدوات لإنتاج المعاناة الإنسانية وزعزعة الاستقرار الإقليمي.
انهيار الحوكمة وسيادة القانون
تعرّض مبدأ سيادة القانون في جنوب السودان لتقويض شديد. فالمؤسسات الأمنية هشة، والنظام القضائي يفتقر إلى المصداقية، فيما تلاشت ثقة المواطنين في الدولة. وتشير تقارير بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (UNMISS) ووزارة الخارجية الأميركية إلى انتشار واسع لانتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك القتل التعسفي، والاختفاء القسري، وتقييد حرية التعبير. كما أن تزايد حالات الاختطاف، والعنف الجنسي، واستمرار الأعمال العدائية المسلحة، كلها عوامل تقوّض حماية المدنيين وتترك المواطنين عرضة للنزوح وانعدام الأمن.
كارثة إنسانية
أدّت دوامة العنف المستمرة إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. فالملايين من مواطني جنوب السودان يواجهون خطر المجاعة، بينما اضطر عدد لا يُحصى منهم إلى الفرار خارج البلاد بحثًا عن الأمان. وما كان يومًا نضالًا من أجل الكرامة في ظل الحكم السوداني السابق، تحوّل اليوم إلى واقع تُسلب فيه حقوق المواطنين وطبقتهم الاجتماعية، ويعيشون في ظروف أقرب إلى العبودية.

الفساد ونظام النهب المنظم
يُعد الفساد في جنوب السودان من بين الأكثر تجذرًا على مستوى العالم. إذ شيدت النخبة الحاكمة نظامًا كليبتوقراطيًا يهيمن على جميع قطاعات الاقتصاد. وكشفت تحقيقات منظمة «ذا سنتري» عن إمبراطورية اقتصادية مترامية الأطراف تسيطر عليها أسرة الرئيس سلفا كير، وتشمل مصالح في قطاعات النفط، والتعدين، والمصارف، والتجارة، والطيران، والخدمات اللوجستية، والأمن الخاص. وقد جاء هذا التمركز الفاحش للثروة على حساب المواطنين العاديين، وأسهم في تغذية القمع، والصراع العنيف، والمجاعة الجماعية.
دولة بلا حكومة
لم يعد جنوب السودان اليوم يعمل كدولة بالمعنى الحقيقي، بل ككيان تهيمن عليه مجموعة من الأفراد النافذين الذين يستغلون الموارد الوطنية لتحقيق مكاسب شخصية. ويُعد الشباب، ولا سيما من مجتمع الدينكا، ضحايا على جميع الجبهات؛ إذ يتعرضون لهجمات خارجية بزعم أن الحكومة تمثلهم، وفي الوقت ذاته يتم تهميشهم داخليًا، وحرمانهم من التعليم والخدمات الاجتماعية، ولا يُستخدمون إلا للدفاع عن نظام لا يبالي بمصيرهم. كما يُعامل جنود قوات دفاع شعب جنوب السودان (SSPDF) كأدوات قابلة للاستهلاك، لا كمواطنين، ويتم تماسكهم عبر استثارة المشاعر القبلية ضد المجتمعات الأخرى.
والحقيقة أن الحكومة همّشت جميع المواطنين، بمن فيهم أبناء الدينكا أنفسهم. غير أنه عندما تُبدي المجتمعات غير الدينكا تذمرها من النظام، بينما يبدو أن الدينكا يتعايشون بصورة طبيعية مع فشل الدولة، يتولد لدى هذه المجتمعات انطباع بأن الدينكا مستفيدون من معاناتهم. ومن هنا يتردد القول إن «الحكومة حكومة الدينكا».
ويستغل الرئيس كير ودائرته الضيقة هذه الفجوة لتعبئة أبناء الدينكا للدفاع عن النظام في مواجهة بقية المجتمعات. إلا أنه من المهم التأكيد على أن ما يجري ليس مجرد صراع إثني بين النوير والدينكا، بل هو فشل بنيوي شامل للنظام أثّر على جميع المكونات المجتمعية على قدم المساواة.




