تقارير

حلم تحقق … ودولة تعثرت

إبراهيم هباني

 لم تكن لحظة سقوط رأس نظام الإنقاذ في أبريل 2019 مجرد نهاية عهد، بل كانت لحظة اختبار فاصلة لدور المؤسسة العسكرية في السودان: هل تنحاز لحماية انتقال مدني فرضه الشارع، أم ترث الدولة بعد سقوط الحاكم؟

حين تولى عبد الفتاح البرهان قيادة الجيش خلفا لعوض بن عوف، أتيحت له فرصة نادرة، ربما لن تتكرر في تاريخ السودان الحديث.

كان بوسعه أن يحمي فترة انتقالية ولدت بإجماع شعبي غير مسبوق، وأن يشرع في إصلاح مؤسسة عسكرية أنهكها التسييس والاقتصاد الموازي، ثم يسلم البلاد لمسار دستوري ينهي عقود الانقلابات. لكن ما جرى منذ تلك الليلة سار في اتجاه آخر.

منذ البداية، بدا أن الانتقال يُدار بعقلية السيطرة لا الشراكة. جاء الاختبار الأول في ساحة الاعتصام أمام القيادة العامة. طريقة فض الاعتصام، وما تلاها من تعطيل للعدالة، لم تكن مجرد خطأ أمني، بل لحظة تأسيس للإفلات من المحاسبة. الدولة اختارت الصمت، والصمت في مثل هذه اللحظات ليس حيادا بل موقفا. والرسالة التي استقرت في وعي الشارع كانت واضحة: السلاح أعلى من القانون.

ثم جاءت محاولة اغتيال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، لتؤكد أن السلطة المدنية تعمل تحت تهديد مباشر. لم يُقدَّم تحقيق مكتمل، ولم تُعلن نتائج مقنعة، وبقيت القضية معلقة. هكذا ترسخ منطق خطير: الأزمات الكبرى تُدار بالتجاوز لا بالمحاسبة، وبالتسويات الغامضة لا بالحقائق.

لاحقا، تُرك ميناء السودان، الشريان الاقتصادي للبلاد، رهينة إغلاقات سياسية. لم تُعالج الأزمة كمسؤولية دولة، بل استُخدمت كورقة ضغط في صراع السلطة. ومع كل تعطيل، كانت تتغذى فكرة واحدة في العمق: أن الدولة المدنية عاجزة، وأن القوة وحدها قادرة على الحكم.

في هذا السياق، لم يكن انقلاب أكتوبر 2021 حدثا منفصلا، بل نتيجة طبيعية لمسار متراكم. أُبعد المسار المدني، واعتُقل رئيس الوزراء بطريقة مهينة لا تشبه قيم المجتمع السوداني، وأُغلقت بوابة الانتقال، ثم تُركت البلاد في فراغ سياسي أعمق من ذي قبل.

بعد ذلك، وفي لحظة مفصلية، ظهر البرهان في حوار بثه التلفزيون السوداني في 14 فبراير 2022، ونقلته وسائل إعلام دولية.

جاء الحوار في توقيت حساس، وسط ضغط إقليمي ودولي لإنقاذ ما تبقى من الانتقال. قال البرهان، بعبارات هادئة محسوبة، إن الجيش لا يرغب في الحكم، وإن القوات المسلحة لا تريد أن تكون جزءا من السلطة السياسية، وإن الحل يجب أن يكون مدنيا توافقيا.

كان الحوار مريبا بتوقيته لا بمحتواه. فالكلام، بحد ذاته، لم يكن جديدا، لكن توقيته كان رسالة للخارج، ومحاولة لامتصاص ضغط متصاعد. بعد ذلك الحوار، لم يتقدم الانتقال خطوة واحدة، بل تراجع.

الكلمات بقيت في الهواء، بينما كانت الوقائع على الأرض تسير في الاتجاه المعاكس.

هنا اتسعت الفجوة بين الخطاب والفعل، وبين ما يقال على الشاشات وما يُدار في غرف القرار.

كل ذلك كان تمهيدا للانزلاق الأكبر. في 15 أبريل 2023 اندلعت الحرب، فعاد السودان إلى مربع الصفر، وفتح الباب أمام أسوأ السيناريوهات: حرب داخل المؤسسة التي يفترض أن تحمي الدولة.

حرب لم تُشعلها قضية وطنية، ولا تهديد خارجي، بل صراع على السلطة والموارد وشكل الدولة المقبلة.

كانت النتيجة حربا عبثية بكل المعايير: مدن مدمرة، ملايين نازحين ولاجئين، اقتصاد منهار، ونسيج اجتماعي يتآكل تحت خطاب كراهية وجهوية.

سقط الشباب والكنداكات الذين رفعوا شعار حرية سلام وعدالة، وسقط معهم الوهم بأن الأزمة تكمن في أشخاص يمكن استبدالهم، لا في منظومة تحتاج إلى تفكيك جذري.

وسط هذا الخراب، عادت الحركة الإسلامية، لا كحزب حاكم، بل كشبكة مصالح وخبرة طويلة في العمل داخل الظل.

ليس بالضرورة عبر سيطرة مباشرة، بل عبر تقاطع مصالح واضح: هي تبحث عن عودة سياسية من بوابة الحرب، وبعض مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية تبحث عن حاضنة تقاتل معها وتبرر لها وتمنح الصراع غطاء أيديولوجيا.

وفي غياب مشروع وطني جامع، يصبح هذا التقاطع خطرا وجوديا على الدولة.

طُرح في هذا السياق شعار قوات الشعب المسلحة بوصفه مظلة وطنية جامعة. لكنه ظل شعارا فضفاضا ما لم يُترجم إلى عقيدة دستورية واضحة.

فالجيوش لا تُبنى بالمسميات، بل بالقواعد: جيش واحد، مهني، غير مسيس، خاضع لسلطة مدنية منتخبة، ومهمته حماية الدستور والحدود والشعب، لا حماية الحكام ولا الأحزاب ولا شبكات المصالح.

من دون ذلك، يتحول السلاح إلى مراكز قوة متنازعة، وتتحول البلاد إلى ساحة صراع، وتصبح الدولة مجرد مفهوم نظري.

ويُتداول، في سياق غير رسمي، أن والد البرهان كان يردد منذ سنوات أن ابنه سيصل إلى موقع حكم السودان. لا قيمة سياسية لمصدر الرواية ولا لطبيعتها.

فالدول لا تُدار بالأحلام، ولا يُحاسَب القادة على رؤى شخصية، بل على حصيلة الحكم. لقد تحقق الحلم، أيا كان مصدره، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو سؤال الحصيلة.

بعد سبع سنوات عجاف، ماذا جنى السودان؟ لم تُحمَ الفترة الانتقالية، ولم تُصلح المؤسسة العسكرية، ولم تُبنَ دولة مدنية، بل تعمقت القطيعة بين الدولة والمجتمع، وانتهى الأمر بحرب مدمرة داخل الجيش نفسه. تحقق الحلم، لكن الدولة تعثرت.

ما يواجه السودان اليوم ليس مجرد حرب، بل فشل نموذج كامل في إدارة العلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية.

ولا يمكن الخروج من هذا الفشل بشعارات جديدة، ولا بتسويات تعيد إنتاج الأزمة.

الخيار الوحيد يبدأ بإصلاح جذري وشامل للمؤسسة العسكرية والأمنية والشرطية: تفكيك التسييس، توحيد السلاح، إخراج القوات النظامية من النشاط الاقتصادي، وإعادة بناء العقيدة المهنية على أساس وطني صرف.

يتبع ذلك انتقال مدني ديمقراطي حقيقي يعالج جذور الفشل التاريخي للدولة السودانية: الحكم، العدالة، التهميش، وتوزيع السلطة والثروة.

ولا انتقاص من السيادة، ولا حرج سياسيا، في أن يتم هذا المسار تحت حماية وإشراف دولي وأممي، إذا كان البديل هو التفكك والدولة الفاشلة وحروب بلا نهاية.

فسيادة الدولة لا تُقاس برفض العالم، بل بقدرتها على حماية شعبها وبناء مؤسساتها.

في السياسة، لا تُقاس التجارب بما قيل عنها، بل بما انتهت إليه.

وقد انتهت هذه التجربة إلى حقيقة واحدة: تحقق الحلم، لكن الدولة لم تتحقق. وسيظل السودان دولة تسبقه بندقيتها، وتتعثر كلما حاولت اللحاق بها، ما لم يُحسم خيار الدولة على حساب حكم السلاح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع