حين زارت السيدة المفوضة سلوى بنية معسكرات الإيواء بمدينة الأبيض، استبشر البعض خيراً وظنوا أن الاهتمام الرسمي قد عاد ليلتفت لأوجاع النازحين خاصة وأن كتابة أطلقت قلمها وكسرت “التلج” للمفوض معددة محاسنها وتأهيلها الأكاديمي ولا أعرف لماذا؟ المهم الواقع داخل تلك المعسكرات كان “فاضحاً” لغياب مفوضية الإغاثة، فالمكان يفتقر لأدنى مقومات العيش الكريم، وصحة البيئة غائبة تماماً، مما يضع علامات استفهام كبرى حول أين تذهب الموارد والجهود التي تدعي المفوضية القيام بها؟
إن ما يحدث في عهد السيدة سلوى بنية يتجاوز سوء الإدارة إلى مرحلة تعطيل القانون عمداً، فكيف تُدار مفوضية بحجم “العمل الإنساني” بدون مسجل للمنظمات لفترات طويلة؟ وكيف يتم الاعتماد على مكلفين تحوم حولهم شبهات فساد سابقة؟.
إن تعطيل تسجيل المنظمات في مخالفة صريحة لقانون 2006 ليس مجرد “بيروقراطية”، بل هو نهج لإحكام القبضة على مفاصل المنح وربما تمرير ما يراد تمريره بعيداً عن الرقابة.
تفوح رائحة “المحاصصة” في توزيع الإغاثة، حيث يتم التركيز بشكل مريب على مناطق نفوذ الحركة الشعبية، خاصة في النيل الأزرق، بينما يصرخ النازحون في بقية الولايات من الجوع.
ولعل الفضيحة المدوية في إقليم النيل الأزرق ببيع “2500” جوال دقيق بواسطة المفوض التابع للحركة، وانتهائها بإعفائه “فقط” دون محاسبة أو استرداد، تؤكد أننا أمام “دولة داخل الدولة”، وأن مال الفقراء أصبح غنيمة للموالين.
لا يتوقف الأمر عند بيع الدقيق، بل يمتد لتبديد الموارد في صفقات عبثية، مثل شراء “6000” بطانية دون حاجة فعلية وتخزينها حتى التلف، أو التصدق بالإغاثة لمنظمات ضعيفة الوجود على الأرض.
والأدهى من ذلك، هو دخول “البيزنس” الخاص في قلب العمل الإنساني، حيث تبرز وكالة سفر تابعة لقيادات في المفوضية، استحوذت على أكبر حصة للحج العام الماضي، ودخلت في صراعات حول “الغنيمة”، والآن تدفع نصف تريليون جنيه (500 مليون) لحجز حصة العام الجديد!.
إن مفوضية العون الإنساني تحولت في ظل هذه المعطيات إلى “حصالة” لتمويل الولاءات والوكالات الخاصة، بينما يموت المواطن في معسكرات الأبيض وبورتسودان والقضارف منعدماً لأبسط الحقوق.
المساءلة هنا ليست ترفاً، بل هي ضرورة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتحول “الإغاثة” إلى أكبر ثقب يبتلع أموال الشعب باسم الجوعى.