مقالات

حزب الخندقة!!

أشرف عبد العزيز 

يعبر المشهد السياسي السوداني الراهن عن حالة من التحور العميق في بنية الإسلاميين، حيث يبدو أن الفوارق بين الحزب السياسي والكيان العسكري قد تلاشت تماماً لصالح نموذج “الحزب المحارب”.

فبينما يحاول دكتور أمين حسن عمر في مرافعاته الإعلامية رسم صورة مغايرة للمؤتمر الوطني باعتباره تنظيماً فقد مركزيته الرأسية، واصفاً الحركة الإسلامية بأنها مجرد وعاء اجتماعي انساب داخل ما يسمى بالتيار الإسلامي العريض، تظل الشواهد الميدانية منذ مسيرات الزحف الأخضر والتحريض الممنهج ضد البعثات الدولية والاتفاق الإطاري، تؤكد أن هذا التيار لم يكن سوى واجهة سياسية تكتيكية تم هندستها بعناية لتهيئة المسرح للحرب الحالية.

إن هذا الالتفاف الذي قاده علي كرتي بوصفه المحرك الفعلي من وراء الستار، يكشف أن “الباطنية” والعمل السري لا يزالان يمثلان العقيدة التشغيلية للتنظيم، حيث استُخدمت شخصيات مثل الجزولي والطيب الجد كواجهات لتيار يتبنى خطاب المؤتمر الوطني المحلول بحذافيره دون أدنى تجديد فكري، في محاولة للهروب من استحقاقات الثورة الشعبية التي أطاحت بنظامهم.

ومع انطلاق الرصاصة الأولى في الحرب، سقطت الأقنعة السياسية وسارعت القيادات إلى الاختفاء، لتختفي معها واجهة “التيار العريض” التي استنفدت غرضها، ويتحول الحزب بالكامل إلى خلية حرب مغلقة لا تملك متحدثاً رسمياً ولا رؤية سياسية تتجاوز حدود الانتصار العسكري والسيطرة المطلقة على مفاصل الدولة.

ورغم نجاح التنظيم في التغلغل داخل مؤسسة الجيش واستمالة بعض قياداته عبر تقديم تضحيات ميدانية ملموسة، إلا أن هذا النجاح التكتيكي يصطدم بجدار من العزلة الدولية والمحلية، حيث أصبحت العقوبات الدولية تطارد قادته، ونجح خصومهم في تثبيت تهمة إشعال الحرب عليهم في ظل غياب أي خطاب سياسي رشيد يفسر مواقفهم، مما جعلهم أسرى لميدان المعركة فقط.

تكمن الأزمة الحقيقية في أن هذا التحول نحو “العسكرة” ليس مجرد خيار تنظيمي، بل هو هروب من حمولات ثقيلة يحملها قادة الحزب التاريخيين مثل البشير وعلي عثمان وهارون وكرتي، الذين ربطوا مصير الحزب بمصائرهم الشخصية المتعلقة بملاحقات المحكمة الجنائية الدولية أو القصاص الشعبي.

هذا الارتباط العضوي جعلهم يفضلون الصمت المطبق والاختباء خلف العمليات العسكرية خوفاً من إحراج الجيش أو التأثير على علاقتهم به، بينما اختارت مجموعة أخرى بقيادة نافع وإبراهيم محمود المزايدة على استمرار الحرب كطريقة لإثبات الوجود، دون أن تملك الشجاعة لتقديم مراجعات فكرية أو اعتذار حقيقي عن تجربة “الإنقاذ”.

إن النفي الأخير للحركة الإسلامية لأي تصريحات منسوبة لعلي كرتي يضع الإصبع على الجرح النازف، فالإشكالية ليست في صحة التصريح من عدمه، بل في تحول تنظيم سياسي كان يحكم بلداً بحجم السودان إلى ما يشبه “المنطقة العسكرية” التي تدار بالتعليمات والسرية التامة، حيث يُمنع فيها الظهور أو التصوير أو النقاش السياسي، وكأن التنظيم قرر أن يدفن نفسه في خنادق الحرب هرباً من مواجهة الواقع السياسي الذي يتطلب الشفافية والمراجعة، مما يجعله في نظر الكثيرين تنظيماً فقد أهليته السياسية وتحول إلى كيان أمني يسعى للبقاء عبر الفوضى لا عبر صناديق الاقتراع أو التوافق الوطني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع