بين مدينة الأبيض عروس الرمال، وردهات محاكم أمدرمان، يُعرف الأستاذ خلف الله حسين المحامي بكونه أكثر من مجرد قانوني يرتدي ثوب الدفاع؛ إنه إنسان جُبل على الوفاء، ومواطن اختار الانحياز للأرض والإنسان في أحلك الظروف. اليوم، يقبع خلف الله خلف قضبان الاعتقال التعسفي، لا لذنبٍ اقترفه سوى أنه آثر البقاء مع أهله، رافضاً أن تبتلعه المنافي أو تفرقه الحرب عن جذوره.
لقد كان بإمكان الأستاذ خلف الله، كغيره من الكفاءات القانونية، أن يختار مسار الهجرة خارج البلاد بعد أن أغلقت الحرب مكتبه العامر بمدينة أم درمان، لكن “الروح السودانية” الأصيلة فيه أبت أن يترك أسرته الكبيرة وجيرانه وأصدقاءه في الأبيض يواجهون مصيرهم وحدهم.
عاد إلى مسقط رأسه، تاركاً خلفه كل ما يملك، ليكون سنداً وعوناً لمن حوله، مجسداً أسمى معاني التضحية والإيثار التي تميز إنسان كردفان.
إن عملية اعتقاله التي تمت يوم السبت 17 يناير من داخل منزله بمدينة الأبيض بواسطة “الخلية الأمنية”، ومن ثم تحويله إلى جهاز الأمن والمخابرات دون توضيح للأسباب، تمثل انتهاكاً صارخاً ليس فقط للقوانين الوطنية، بل لكل المواثيق الدولية التي تكفل حرية الإنسان وكرامته.
إن استهداف رجل قانون وعلم بوزن خلف الله حسين هو محاولة يائسة لتكميم الأفواه وإرهاب الأصوات الحرة التي ترفض الظلم وتتمسك بحق الشعب في الحياة الكريمة.
الأستاذ خلف الله، الذي يجمع بين صرامة القانوني ودفء الصديق والجار، تحول في معتقله إلى رمز للصمود. فبينما كان المراقبون يستبشرون خيراً بإطلاق سراح بعض السياسيين في ولاية شمال كردفان في بداية العام 2026 كخطوة نحو الانفراج، تأتي الخلية الأمنية لتعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ممارسةً نهج الاعتقال التعسفي الذي لا يخدم استقرار البلاد.
إن تسليمه لجهاز الأمن رغم غياب أي تهمة أو إدانة يثير تساؤلات مشروعة حول الغرض من هذا التغييب المتعمد لمن لا سلاح له سوى الكلمة والقانون.
إننا وأمام هذا المشهد القمعي، نؤكد أن الاعتقال خارج إطار القانون هو جريمة لا تسقط بالتقادم، ونُحمل الخلية الأمنية وجهاز الأمن المسؤولية الكاملة عن سلامته الجسدية والنفسية.
إن خلف الله حسين ليس مجرد معتقل، بل هو صرخة في وجه التغول على الحقوق، وإطلاق سراحه فوراً ودون قيد أو شرط هو مطالبة باستعادة هيبة القانون وصون كرامة السودانيين.
على كافة القوى الوطنية ومنظمات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية أن ترفع صوتها تضامناً مع “ابن الأبيض” البار.
إن حرية خلف الله حسين هي حرية لكل المحامين والحقوقيين، وبقاءه في المعتقل هو وصمة عار في جبين العدالة. أطلقوا سراح خلف الله حسين، ليعود إلى أسرته وزملاء مهنته، وليواصل مسيرة الدفاع عن الحق التي لم يتخلَّ عنها يوماً.