مقالات

إعادة تعريف الغرب: القيم المسيحية والقوى المتوسطة في خطاب كارني

عبد الجليل سليمان

في خطابه خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، قدم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني رؤية تأملية حول واقع عالمي يشهد تحولات عميقة في النظام التقليدي للعلاقات الدولية والمنظومة القيمية. فقد أشار كارني إلى أن الغرب لم يعد يُمكن تعريفه أو تفسيره من خلال افتراض وحدة منظومة “القيم المسيحية” التي لطالما شكلت أساس هويته الثقافية والسياسية والاجتماعية.

هذا الطرح لم يكن مجرد تصريح سياسي، بل إعادة تعريف لجوهر الهوية الغربية، أي للصورة الجمعية للمجتمع وما يربطه من جذور تاريخية وثقافية وأخلاقية؛ فالقيم المسيحية لم تشكّل إطارًا دينيًا فحسب، بل صاغت رموزًا أساسية لفهم القانون، السلطة، والمعايير الأخلاقية العامة. وعندما يُعاد النظر في هذا الإطار، تتحول القضية من مسألة دينية ضيقة إلى مسألة تتعلق بشرعية الدولة الحديثة ومصدر مشروعيتها الثقافي والفكري.

تاريخيًا، ارتبطت القيم المسيحية بمفاهيم جوهرية:

 كرامة الإنسان: الاعتراف بالحق الفردي في الاحترام والمعاملة الإنسانية، وهو الأساس الذي قامت عليه القوانين المدنية الغربية.

الخلاص الفردي: القدرة على تحقيق حياة أخلاقية وروحية مستقلة، ما يربط بين الفرد وأفق الحياة الأخلاقية العام.

المسؤولية الأخلاقية: الالتزام بالتصرف وفق قواعد العدالة والأخلاق، سواء تجاه المجتمع أو الذات.

مع ظهور الدولة الليبرالية الحديثة، أعيد صياغة هذه المفاهيم في ضوء حقوق الإنسان العالمية، لتصبح عامة وقابلة للتطبيق خارج أي مرجعية دينية محددة. هنا يكمن جوهر التحول الذي استحضره كارني، ويتمثل في الانتقال من مرجعية دينية محددة إلى أفق إنساني عام يتيح تعميم القيم في مجتمعات متعددة ومتنوعة.

في بعده السياسي والفلسفي، لفت كارني الانتباه إلى ما سماها “القوى المتوسطة” في النظام الدولي. هذا المصطلح يشير إلى دول ليست ضعيفة ولا قوية، لكنها تمتلك تأثيرًا إقليميًا ودوليًا معقولاً لكنه نوعي، مثل كندا وأستراليا وبعض الدول الأوروبية والآسيوية المماثلة. هذه القوى تعمل على إعادة تشكيل النظام العالمي عبر بناء شبكات تعاون مرنة تتجاوز الثنائيات التقليدية بين القوى الكبرى، وهو إدراك بأن النظام الدولي لم يعد يحتمل الثنائيات القديمة للهيمنة.

ردود الفعل داخل كندا عكست جدلية أعمق من مجرد جدل سياسي؛ فالمحافظون اعتبروا خطاب كارني تهديدًا للذاكرة التاريخية وسردية تأسيس الدولة، بينما رأى أنصار التعددية أن الهوية الكندية المعاصرة تتطلب تجاوز أي تعريف حصري أو جامد للهوية، بما يعكس التنوع الثقافي والاجتماعي للمجتمع.

من منظور فلسفي، يعكس خطاب كارني تحولًا من الهوية الجوهرية إلى الهوية التداولية. فالهوية الجوهرية ترى الأمة ككيان ثابت الجذور والمعالم، بينما الهوية التداولية تراها مشروعًا متجددًا يتشكل عبر التوافق على قيم مشتركة؛ أي أن الأمة ليست مجموعة من السمات الثابتة، بل إطار أخلاقي متغير يواكب تطورات المجتمع. السؤال لم يعد حول وجود جذور “القيم المسيحية” في الغرب، بل حول كيفية تكييف هذه الجذور مع مجتمع متعدد ومتغير دون أن تتحول إلى أداة إقصاء أو ذكرى جامدة بلا أثر.

ما يحدث إذن ليس صراعًا بين الدين والعلمانية، بل جدلية بين تصورين للانتماء: أحدهما يستمد استمراريته من الماضي، والآخر يستمدها من القدرة على استيعاب المستقبل. وفي هذا الفضاء، تتحدد معالم الهوية الغربية المعاصرة، مع إبراز “القيم المسيحية” و**“القوى المتوسطة”** كعاملين محوريين في إعادة تعريف الغرب وإرساء قاعدة للتفاعل بين التاريخ والحداثة، بين الجذور والتجدد، وبين الثبات والتغيير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع