ليس الصومُ جوعَ الجسد، بل جوعُ المعنى إلى صفائه، وعطشُ الروح إلى مرآتها؛ هو أن تكفَّ الرغبةُ عن صخبها، وأن يهدأ الطمعُ كما يهدأ الغبار بعد العاصفة؛ فإذا صامتِ القلوبُ عن التملك، والألسنةُ عن المبالغة، والعقولُ عن الغلوّ، انكشف وجهُ الحقيقة كما ينكشف الفجرُ من خاصرة الليل.
وفي أرضٍ اسمها السودان، تمشي الحربُ بثيابٍ من دخان، وتجلس السياسةُ على مقاعدَ من جدلٍ طويل؛ الكلماتُ تُطلق قبل أن تُوزن، والوعودُ تُنثر قبل أن تُختبر، فيصير الصوتُ أعلى من المعنى، ويغدو الصدى أقوى من الأصل؛ كأن النزاعَ لا يشبع إلا من مزيدٍ من الكلام، ولا يرتوي إلا من مزيدٍ من التأويل.
لو صامت الحربُ عن التهويل، وصامت السياسةُ عن الاستعراض، لتبدّل الإيقاع؛ خطوةٌ تتأمل قبل أن تخطو، عبارةٌ تتطهّر قبل أن تُقال، قرارٌ يعبر ميزان القلب قبل أن يعبر إلى الناس؛ عندها ينخفض منسوب النار، وتلينُ اليابسةُ تحت أقدام أهلها، وتتعلم البنادقُ معنى الصمت كما تتعلم المآذنُ معنى النداء.
صومُ الخصوص هنا مقامٌ من مقامات النجاة؛ أن تُحجب الرغبةُ عن شهوة الغلبة، وأن يُفطم الصوتُ عن غواية التصفيق؛ فإذا جاع الصراعُ إلى الحكمة، وشربت السياسةُ من نهر البصيرة، صار الوطنُ أوسعَ من ساحات النزاع، وأعمقَ من خطابات العبور؛ هناك فقط، يُولد السلامُ من رحم الصمت، ويصير الخرابُ درسًا في التجلّي، لا عنوانًا للإقامة.