تقارير

تباين في الآراء بين السودانيين حيال تحركات مسعد بولس لحل أزمتهم

تقرير - إسماعيل محمد علي 

في وقت توقع فيه كثير من السودانيين أن يحدث مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس اختراقاً سريعاً يمهد لإنهاء الحرب المشتعلة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ قرابة الـ3 سنوات، انطلاقاً من الدعم المباشر الذي يجده من الرئيس دونالد ترمب بحكم صلة المصاهرة بينهما، لكن حدث ما هو غير متوقع، فمحاولات بولس لكسر الجمود بين الأطراف المتنازعة لم تحقق اختراقاً يذكر، وسط تصاعد القتال وتدهور الوضع الإنساني.

في المقابل، بات بولس مثار جدال في أطروحاته وتحركاته لحل الأزمة السودانية، إذ يعتبر البعض أنه زاد من تعقيدات المشهد السوداني بتماهيه مع أطراف دون أخرى. فكيف يرى المراقبون تعامله مع هذه الأزمة لناحية حياده ونزاهته ومواقفه وقدرته على استيعاب تعقيدات الواقع السوداني وتشابكاته الاجتماعية والسياسية؟

شخصية مريبة

يرى المتخصص في العلوم السياسية الزمزمي بشير أن “مسعد بولس شخصية مثيرة للجدال، وأحياناً يتجاوز الخطوط الدبلوماسية، على رغم أنه نشط وتحركاته واسعة وتواصله كبير مع الأطراف ذات الصلة بالقضية السودانية، لكنه يتجاوز حدوده في كثير من الأحيان”. وأضاف، “أعتقد أن هناك تأثيراً على بولس من أطراف عدة، وواضح أنه قريب من تحالف القوى المدنية “صمود” بقيادة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، ويبدو عليه تعاطفه مع حكومة “تأسيس” التي تتزعمها قوات “الدعم السريع”، فضلاً عن أنه يغلب عليه التأثير الواضح من جانب الإمارات، على رغم تأكيد قائد الجيش عبدالفتاح البرهان مرات عدة رفضه التام لأي وساطة أو دور إماراتي لحل النزاع السوداني”.

وواصل بشير، “معلوم أن من أهم الشروط الأساسية لنجاح أي مفاوضات، قبول الأطراف المعنية بالوسيط، بالتالي فإن عدم نزاهة الوسيط (الإمارات) وإقحام نفسه في هذه المسألة، جعل من أبوظبي طرفاً غير مرغوب فيه، فهي تؤدي دوراً أساساً في تأجيج الحرب وهو ما وثقته تقارير دولية، وعلى رغم ذلك يصر بولس على وجودها وفرضها كوسيط”. واستطرد “من خلال متابعتي لتحركات هذا المستشار الأميركي وتصريحاته، فإنه بأي حال من الأحوال لا يشبه الدبلوماسية الأميركية ولا يشبه مواقف وقدرات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يتعامل بقوة وحسم في تتبعه القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية، فهو لا يبدو لي أنه الشخصية المناسبة والقادرة على إيجاد حل للمشكلة السودانية، بخاصة أن هناك مبادرة سعودية تحظى بدعم أميركي قوي وتحتاج فقط إلى تحرك دبلوماسي نشط للضغط على الأطراف، لكن واضح أن بولس لا يمارس دوره بحيادية ونزاهة”.

وبيَّن بشير أن “الأمر الغريب هو إقحامه قضايا غير متفق عليها، فلا يمكن أن يحدد ويتخذ قرارات تتعلق بمستقبل البلاد السياسي هي في الأساس من صلب الشأن الداخلي كرفضه مشاركة الإسلاميين في الحكم، فإسرائيل مثلاً يحكمها (الليكود) وغيرهم وهو أمر عادي، بالتالي كان يجب عليه أن يتعامل مع جميع الأطراف السودانية بحيادية تامة، فهو كطرف خارجي عليه أن يسعى إلى توحيد مكونات المجتمع السوداني وليس السعي لتقسيمها وإقصاء بعضها”.

وختم المتخصص في العلوم السياسية حديثه بالقول “إن مسعد بولس شخصية مريبة وليس بإمكانها إحداث اختراق في أزمة السودان، ولا يبدو لي أنه دبلوماسي حصيف ولا أظن أنه سيستمر كثيراً في منصبه لفشله الواضح في إحراز أي تقدم في الملف السوداني”.

“عدم خبرة”

في السياق يرى الباحث السياسي حسن عبدالحميد أيضاً أن “مسعد بولس لم يكن محايداً في تعامله مع الملف السوداني، فهو منحاز بصورة فجة إلى الجانب المعارض للحكومة السودانية من خلال تبنيه لمقولات المعارضين وسردياتهم المتحاملة على حكومة البرهان، فضلاً عن انحيازه لدولة الإمارات الموغلة في دماء السودانيين عبر دعمها لقوات “لدعم السريع”، ولعل مرد ذلك ما أفادت به بعض التقارير الصحافية التي اتهمت بولس بالفساد وتلقيه رشى من الإمارات. أما عدم موضوعيته فظهرت في محاولته فرض قوى سياسية معينة لتتحكم في مستقبل السودان السياسي متجاوزاً رأي الشعب السوداني ورؤيته فيها”.

وانتقد عبدالحميد حديث بولس المتكرر عن “إقصاء الإسلاميين من المشهد السياسي” باعتباره “مؤشراً واضحاً إلى تدخله السافر في الشأن السوداني بجهل مريع”، مؤكداً أنه “لا بولس ولا غيره من القوى الإقليمية والدولية تستطيع إقصاء قوة مجتمعية وسياسية معتبرة وعريقة ومتجذرة فهذه محاولات ساذجة محكوم عليها بالفشل”.

وشدد على أن “بولس غير قادر حالياً على استيعاب تعقيدات الواقع السوداني وتشابكاته السياسية، فلم يعرف عنه أي خبرة في هذا المجال وما صدر منه لا يشجع على حسن الظن به، فهو تاجر يحاول اقتحام السياسة بتعقيداتها، من دون زاد فكري أو خبرة عملية واتضح هذا لكل من يتابع تصريحاته ومواقفه”.

ورأى الباحث السياسي أن “مسعد بولس يتبنى آراء اللوبي الصهيوني والمسيحي المتصهين ويحاول فرض رؤاهم على الواقع السوداني، بالتالي كل تحركاته الإقليمية والدولية تحاول أن تخدم أهداف هذا المحور، وهو المنطلق الذي سيؤدي إلى فشل تحركاته لأن أهداف هذا المحور تتعارض بصورة حادة مع الرؤى الوطنية السودانية، بل مع متطلبات الأمن القومي العربي، ومن هنا سيكون الإخفاق الذريع لمحاولاته عاجلاً أو آجلاً”.

شاركتُ اليوم مع عددٍ من قادة العالم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمناقشة الأزمة الخطيرة في السودان والحاجة المُلحّة إلى إنهاء أكثر من ألف يوم من الصراع الذي لا طائل منه. وقد وجّه المجلس، برئاسة وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر، رسالةً واضحةً وموحّدة: لا يوجد حلٌّ عسكري.

ارتباك وتضارب

في المقابل قال الكاتب السوداني عثمان ميرغني إن “التركيز الشديد على شخص مسعد بولس لا يفيد في حل الأزمة السودانية، فهو لا يتحرك وفق تقديرات ذاتية، بل يمثل دولة تلعب دوراً محورياً في السياسة الدولية”. وأضاف ميرغني، “ربما هناك فعلاً ارتباك في تصريحاته ناتج من تضارب رؤى ومصالح أطراف اللجنة الرباعية، بينما هو يحاول الإمساك بلجام الأمور، لكن في اعتقادي أن الرباعية كمنظومة مناسبة للتأثير في إحداثيات الأزمة السودانية بصورة تساعد على وقف الحرب وابتدار دورة حكم بقيادة مدنية قادرة على تجاوز المرحلة”.

ومضى الكاتب السوداني في القول، “حالياً الكرة في ملعب الحكومة السودانية كونها صاحبة المصلحة العليا في الحل السلمي وتملك أوراق اللعب أكثر من غيرها”.

أزمة تأسيس

من جانبه أفاد عضو “التيار الوطني السوداني” نور الدين صلاح الدين بأنه “من المهم وضع الدور في إطاره المؤسسي، فمسعد بولس يتحدث بصفته مستشار للرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، بالتالي فإن مواقفه تقرأ ضمن توجهات الإدارة في واشنطن، لا بوصفها اجتهادات شخصية منفصلة عن السياسة الرسمية”.

وأردف “نحن لا ننظر إلى الأزمة السودانية من زاوية حياد بارد بين طرفين عسكريين فحسب، بل من زاوية الالتزام بإنهاء الحرب لمصلحة دولة مدنية تقوم على المؤسسات والقانون، وأي مقاربة دولية تقيم لدينا وفق معيارين: هل تضغط فعلياً باتجاه إنهاء الحرب لا إدارتها؟ وهل تدعم مساراً سياسياً مدنياً جامعاً، أم تعيد إنتاج الاستقطاب؟”. وزاد “المطلوب من الإحاطات التي يقدمها مسعد بولس أمام مجلس الأمن والمنابر الدولية، أن تعكس تعقيدات المشهد السوداني، وألا تختزله في ثنائية مبسطة. فالسودان لا يعاني فقط من صراع عسكري، بل من أزمة تأسيس سياسي ودستوري عميقة، وأي معالجة لا تربط بين المسارين الأمني والسياسي ستبقى قاصرة”.

واستطرد صلاح الدين، “نميز بين أمرين في شأن تصريحات بولس المتعلقة بإقصاء الإسلاميين هما المحاسبة القانونية على الجرائم والانتهاكات، وهذه مسألة لا مساومة فيها، ويجب أن تتم عبر آليات عدلية مستقلة، والحق السياسي المجرد، الذي لا يسحب بقرار سياسي أو دولي، بل يحسم عبر القانون وصناديق الاقتراع في سياق ديمقراطي سليم، بالتالي إن الإقصاء السياسي الشامل، أياً كان عنوانه، أثبت في التجربة السودانية أنه يعمق الاستقطاب ولا يؤسس لاستقرار مستدام. وفي المقابل، لا يمكن القبول بعودة تنظيمات محلولة بأمر ثورة شعبية إلى المشهد خارج إطار القانون أو دون مراجعة شاملة لمسؤولياتها عن تقويض النظام الدستوري”.

وواصل، “عموماً نحن لا نقيم المواقف الدولية بناءً على حدتها اللفظية، بل على مدى اتساقها مع هدف واضح هو إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، ودعم انتقال مدني حقيقي، وأي جهد دولي يقترب من هذه المعايير سننظر إليه بإيجابية، وأي مقاربة تبقي الأزمة في دائرة إدارة الصراع من دون حل جذري سنبدي حيالها تحفظاً صريحاً”.

مشاركة عادلة

وبيَّن عضو “التيار الوطني” أنه “من واقع تجربتنا مع الأزمة السودانية، يمكن القول إن فهم أي طرف خارجي سواء مسعد بولس أو غيره لتشابك الواقع السوداني يحتاج إلى قدرة على التمييز الدقيق بين مستويات الصراع المختلفة، وذلك من خلال التمييز بين الجيش والقوات، والتعقيدات الاجتماعية والسياسية باعتبار أن السودان بلد متعدد الهويات والمكونات، والصراعات فيه لا تقتصر على استقطاب عسكري وسياسي، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فضلاً عن الارتباط بالتحولات التاريخية التي حدثت في البلاد”. وأضاف، “من هذا المنظور نجد أن قدرة أي مستشار أو طرف دولي على فهم السودان لا تقاس بالتصريحات أو المواقف العامة، بل بمدى توافق توصياته مع ضرورة إنهاء الحرب، ودعم التحول المدني، وضمان مشاركة سياسية عادلة لجميع الأطراف غير المحلولة قانونياً (المؤتمر الوطني)، فأي اجتهاد دولي ينظر إليه إيجاباً عندما يعكس هذه القدرة على الاستيعاب المتوازن للتعقيدات السودانية، وينظر إليه بحذر إذا اقتصر على مقاربات أحادية أو متسرعة”.

ونوه صلاح الدين بأن “تقييم التحركات الخارجية لأي مستشار أو وسيط دولي يجب أن يأخذ في الاعتبار السياق الإقليمي والدولي المعقد، وهو ما ينطبق على تحركات بولس، فمن الملاحظ أن جهوده الهادفة إلى إيجاد حل للأزمة السودانية تواجه تحديات متعددة تتمثل في تعقيدات الرباعية الدولية، فوجود دولة مثل الإمارات ضمن الرباعية الدولية يفرض قيوداً على ما يمكن العمل عليه، نظراً إلى تباين المصالح والارتباطاًت مع طرف مثل قوات “الدعم السريع”، فهذا يحد من مرونة أي مسار. أضف إلى ذلك تباين أطراف الرباعية وتصوراتها لحل الأزمة السودانية، ما يجعل التنسيق بين أطرافها، يتطلب تمتع الدبلوماسي بحساسية عالية لتجنب الوقوع في تصادم مصالح مباشر”.

ومضى قائلاً إن “هناك أيضاً إشارات إلى محاولات السعودية لفتح مسارات موازية عبر التنسيق مع الإدارة الأميركية، مع الاحتفاظ بصمت دبلوماسي حول أي تجاوز للرباعية الرسمية، فهذا الوضع يعكس تعدد القوى المؤثرة في الملف السوداني ويعقد مهمة بولس، فضلاً عن تحدي التعامل مع الأطراف السودانية في النزاع، إذ إن قدرة أي وسيط على التأثير مرتبطة بمدى تفهمه للخطوط الحمراء المحلية، واعترافه بالتباين بين الجيش والقوات، وأهمية تعزيز المسار المدني بدلاً من إدارة الصراع العسكري فحسب، بالتالي فأي مقاربة لا تراعي هذه الفوارق ستكون محدودة التأثير في الأرض”.

وأشار عضو “التيار الوطني” إلى أنه “بناءً على ذلك، يمكن القول إن تحركات مسعد بولس تتم ضمن إطار إداري وسياسي محدود المرونة، وهي تتسم بمحاولات مد الجسور بين أطراف دولية وإقليمية مختلفة، لكنها لا تخلو من صعوبات مرتبطة بالانقسامات داخل الرباعية الدولية ومساعي بعض الأطراف لإيجاد مسارات موازية”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع