مقالات

سودانيون على تيك توك … حين تختزل المأساة إلى ترند

إبراهيم هباني

لم تعد الحروب تروى فقط في نشرات الأخبار، ولا تحسم فقط في ميادين القتال.

هناك ساحة موازية، أكثر تأثيراً مما يعتقد، تدار فيها المعارك على الرواية والصورة والانطباع.

وفي هذه الساحة، تلعب المنصات الرقمية، وعلى رأسها تيك توك، دورا يتجاوز الترفيه إلى تشكيل الوعي.

الخلاف الأميركي الصيني حول التطبيق يعكس هذا الإدراك.

فواشنطن تنظر إليه كأداة تأثير عابرة للحدود، وبكين تعتبره امتداداً لقوتها الناعمة.

لكن بعيداً عن هذا الجدل، تكشف التجارب المحلية عن سؤال أكثر الحاحاً: كيف تستخدم هذه المنصات في لحظات الأزمات؟
في الحالة السودانية، الإجابة مقلقة.

بلد يعيش حرباً مفتوحة، بأبعاد إنسانية وأمنية معقدة،
لكن جزءا معتبراً من المحتوى المتداول عنه على تيك توك يبدو منفصلاً عن هذا الواقع.
مشاهد مختصرة،
تعليقات سطحية،
ومعالجة أقرب الى الترفيه منها إلى التوثيق.

لا يتعلق الأمر هنا بإدانة الأفراد بقدر ما يتعلق بظاهرة أوسع،
حيث تتحول المأساة، تدريجياً، الى مادة قابلة للاستهلاك السريع.

وهذا التحول له كلفة حقيقية.

أولاً : يضعف القدرة على نقل الصورة الدقيقة الى الخارج.
حين يبحث المتابع الدولي عن فهم ما يجري،

ويجد محتوى خفيفاً أو مجتزأ،
فانه يبني تصوراً ناقصاً،
وربما مضللاً.

ثانياً :، ينعكس ذلك على الوعي الداخلي نفسه.

إذ تتحول القضايا الكبرى إلى مشاهد عابرة، تفقد مع الوقت وزنها وتأثيرها.

ثالثاً : يفتح الباب أمام اعادة تشكيل الرواية من خارجها،
في ظل غياب محتوى مهني ومتوازن يعبر عن الواقع كما هو.

المشكلة هنا ليست في المنصة ذاتها.

فكل أداة يمكن أن تستخدم بطرق مختلفة.

لكن الخلل يكمن في كيفية توظيفها، وفي غياب المعايير التي توازن بين سرعة النشر ودقة المضمون.

في أزمنة الأزمات، تصبح الحاجة الى السرد المسؤول أكثر الحاحاً.

ليس فقط لنقل ما يحدث، بل للحفاظ على معناه. لأن الحروب لا تخسر فقط عندما تتراجع الجيوش، بل أيضاً عندما تفقد الرواية.

وفي عالم تحكمه الخوارزميات،
قد لا يكون الصوت الأعلى هو الأكثر دقة، بل الأكثر قدرة على الجذب.

وهنا، تكمن المفارقة. أن تتحول أخطر القضايا الى ترند، وأن يقاس تأثيرها بعدد المشاهدات، لا بعمقها.

في النهاية
المسألة ليست تقنية، بل ثقافية ومعرفية.

كيف نرى أنفسنا؟
وكيف نروي قصتنا؟
وهل نملك القدرة على التمييز بين التوثيق والاستعراض؟

أسئلة لا تخص السودان وحده،
بل كل مجتمع يعيش بين واقع ثقيل… وشاشة خفيفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع