الإعلامي والمخرج الطيب صديق انتبه لنقطة مهمة عندما كتب عن الراحل محمد محمود (حسكا) -رحمة الله عليه- فقال عنه إنه مذيع كانت تحبه (الأمهات)؛ الآن أعود بالذاكرة وأجد أن كل ما كانت تحبه أمي كان له علاقة بالأصالة والعراقة والوطن، وكان عميقاً من حيث الفكرة وجميلاً من حيث الإبداع، رغم بساطة الأمهات، لكن كان ما يخرج منهن هو تعبير حقيقي وتلقائي وعميق، لا علاقة له بالحسابات الأخرى، أو الشكليات المزعجة.
أمي كانت تحب محمد سليمان والسر قدور والطيب عبد الماجد ويسرية محمد الحسن، وكان الفنان أحمد المصطفى عندها خطاً أحمر؛ تسمعه، وتترنم بأغنياته في المطبخ عندما تكون الحلة (كاربة) ولحمتها سمينة، وكانت تحرص على نشرة الأخبار عندما يقدمها أحمد سليمان ضو البيت أو الفاتح الصباغ رغم أنها كانت لا تعنيها الأخبار السياسية في شيء، كانت تتابع (أسماء في حياتنا) لعمر الجزلي، و(جريدة المساء) لفتحية إبراهيم، وكانت تحب المسلسلات السودانية، وتتابع أخبار الهلال ومبارياته من أجلي، ولاحقاً كانت مغرمة بمتابعة محمد محمود (حسكا) وعفاف حسن أمين… شيئاً ما كان يقودها إلى تلك البرامج دون أن يحدثها أحد عنهم، أو تقرأ شيئاً لهم، الآن أكتشف أن (الصدق) هو الذي كان يشدها لتلك البرامج، وحدسها الذي كان لا يغيب، رحمة الله عليها.
قبل الطيب عبد الماجد كانت البرامج التلفزيونية (معسمة)، التلقائية فقط كانت في البرامج الإذاعية، أما البرامج التلفزيونية فقد كان (التكلف) فيها كبيراً، مثل فانلة السقط في عز الصيف، أو مثل الفيلم الأجنبي عندما تكون ترجمته غير واضحة، أو زي الثلاجة التي جعلت كثيرين يستعملونها كدولاب بسبب قطوعات الكهرباء.
الطيب عبد الماجد حرر البرامج التلفزيونية وجعل الضيف في برامجه يشعر بالراحة، بعد أن كان موسوماً بجلسة واحدة، فهو كأنه أمام وكيل نيابة يحقق معه في جريمة قتل، سؤال وجواب.. والإجابة عادة تكون بنعم أو لا.
الطيب عبد الماجد غزا التلفزيون بالتلقائية التي بلغت حتى (كوب الليمون) الذي كان يوضع أمام الضيف في البرامج التلفزيونية كديكور، فأصبح الضيف يشرب كوب الليمون ويتحدث وكأنه في بيته.
كان (مشوار المساء) الذي جمع بين الطيب عبد الماجد وهبة المهندس مشواراً يمشيه كل السودانيين، وكان المساء في السودان مقروناً بذلك المشوار.. فليس هنالك مساء دون ذلك المشوار الثابت.
هل يمكن لأحد أن ينسى حلقة الطيب عبد الماجد مع الشيخ البرعي أو مع الطفل المعجزة ومحمود عبد العزيز؟ أو هل يمكن أن تنسوا مشوار المساء مع محمد الأمين أو مع النور الجيلاني؟ إنها حلقات تبقى في الذاكرة، خالدة فيها بخلود دفعة المدرسة ودافوري الحلة وحفلة العرس، إنها أشياء لا تمحى.
الطيب عبد الماجد كعادته يبدع الآن على مواقع التواصل الاجتماعي في كتابات تشبه مشوار مساءاته، يقدم فيها المساء ولكن بمشوار جديد.
رحلت والدة الطيب عبد الماجد فوددت الكتابة عنها، لأني أعرف وجع رحيل الأمهات وحزنه الذي لا ينتهي.
ورحلت والدة زميلنا هشام عز الدين، وهي التي كنا نجتمع حولها، فيشملنا حبها لابنها، فهي تحب كل من له علاقة بابنها، والصديق طلال مدثر شاهد على ذلك.
أحلم ببرنامج عن الأمهات، اسمه “أمهاتنا” أو “سيلفي الحنين” يستضيف بعض الناس ليحدثونا عن أمهاتهم.
حدثني مرة الدرامي خليفة حسن بلة عن أمه، فشعرت أن أمي تقف أمامي (بكورية) اللبن الكبيرة، وقميصها الأخضر اللي ما يغبى عليّ.
وللزميل الطيب علي فرح كتابات عن أمه مثل “هدوم العيد”… وللحبيب عبداللطيف ضفاري ، أم مثل سحابة هارون الرشيد ، أينما تقع تنفع ويعود خراجها.
سوف أعود لذلك، إن كان في العمر بقية.
الأحلام كبيرة ،والواقع متل “النعال” الضيقة.