مقالات

تدوير الفساد لتمويل المحرقة!!

أشرف عبد العزيز

يكشف المشهد السياسي والعسكري المتأزم في السودان عن وجه أكثر قتامة يتجاوز أزيز الرصاص وصراعات الجنرالات، وهو بروز طبقة “تجار الحرب” الذين يتقنون فن الرقص على جثث الوطن وتبديل الولاءات وفقًا لبوصلة الربح والخسارة.

حيث أثار المقطع المصور الذي جمع قيادات في الدولة مع مجموعة من التجار والقيادات العسكرية في أحد المساجد تساؤلات مشروعة حول طبيعة التحالفات الجديدة التي تتشكل خلف الأبواب المغلقة.

فالمفارقة الصادمة تكمن في أن معظم هؤلاء المهرولين اليوم لإسناد “خزينة الدولة” كانوا بالأمس القريب الأذرع المالية الضاربة لقوات الدعم السريع، وشيدوا قصورهم المنيفة من فتات صفقات مشبوهة مع كبار جنرالاتها، مما يؤكد أننا أمام فئة لا تؤمن بالوطن، وإنما بالفرص التي تتيحها الفوضى لاكتناز الأموال.

إن خطورة هؤلاء تكمن في قدرتهم الفائقة على اختراق أقبية صناعة القرار، مستغلين التغييرات الإدارية والسياسية لتمرير صفقات مشبوهة بعيدًا عن الرقابة، وتحت لافتات براقة مثل “دعم البرامج الاقتصادية”، بينما هم في الحقيقة يسعون لانتزاع الفرصة الأخيرة لتعويض ما فاتهم أو لتأمين مستقبلهم المالي في مرحلة ما بعد الحرب.

ويبرز هنا التساؤل المريب حول سر تداخل الأدوار بين رجال الأعمال والقيادات الميدانية في تحالفات هجينة، تشي بأن الاقتصاد السوداني بات رهينة لصفقات تُدار في الخفاء بعيدًا عن مصلحة المواطن الذي يُسحق تحت وطأة الغلاء والنزوح.

ولا تتوقف هذه الشبكات عند حدود الاستيراد والتصدير، بل تمتد لتشمل احتكار السلع الاستراتيجية كالبترول، والوقوف خلف منصات التأجيج الإعلامي التي تدعو لاستمرار الحرب لضمان بقاء تدفق الأموال واستمرار حالة “اللا دولة” التي توفر لهم المناخ المثالي للاحتكار والفساد.

فالارتباط الوثيق بين المال الملوث وبين إطالة أمد الصراع يجعل من هؤلاء المحركين الفعليين للمحرقة السودانية، فهم الممولون الحقيقيون لمنصات التحريض، وهم المستفيد الأول من استنزاف موارد البلاد تحت ذريعة المجهود الحربي.

أمام هذا الواقع المرير، يصبح لزامًا على المجتمع الدولي والمنظمات الرقابية الالتفات الجاد لهذه الفئة التي تمثل أساس الفساد ومحرك الدعم الخفي للحرب.

فالحلول السياسية لن تؤتي ثمارها ما لم يتم تجفيف منابع تمويل الصراع وملاحقة هذه “القطط السمان” التي تتغذى على دماء السودانيين، بفرض عقوبات اقتصادية وقانونية صارمة تشمل تجميد أصولهم وملاحقتهم دوليًا.

فالسودان لا يواجه حربًا عسكرية فحسب، بل يواجه طفيلية اقتصادية تسعى لتفتيت ما تبقى من الدولة لضمان استمرار سيطرتها على الموارد، مما يجعل تصفية “اقتصاد الحرب” ضرورة وطنية وأخلاقية تسبق أي عملية سياسية مرتقبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع