مقالات

من الصوابية السياسية إلى الووكية

عبد الجليل سليمان

شهد مصطلح «الصوابية السياسية» (Political Correctness) مساراً دلالياً معقداً في الفكر السياسي الغربي. فقد ظهر في الأصل داخل بعض الأوساط اليسارية والشيوعية بوصفه تعبيراً عن الالتزام بالخط العقائدي الصحيح، قبل أن يُستخدم لاحقاً، أحياناً على سبيل السخرية، في نقد النزعات الأيديولوجية المتشددة داخل اليسار نفسه. غير أن التحول الأهم جاء خلال «حروب الثقافة» في الولايات المتحدة أواخر القرن العشرين، حين تبناه المحافظون لوصف ما رأوه سعياً إلى فرض معايير لغوية وثقافية جديدة باسم المساواة والعدالة الاجتماعية.

وخلال العقود الأخيرة، تراجع حضور مصطلح «الصوابية السياسية» في الخطاب السياسي والفكري الغربي، لتحل محله مفاهيم أكثر حداثة وتأثيراً، أبرزها «الووكية» (Woke)، التي تشير إلى الوعي بأشكال التمييز واللامساواة المتجذرة في البنى الاجتماعية والمؤسساتية؛ و«ثقافة الإلغاء» (Cancel Culture)، التي تصف ممارسات المقاطعة أو العزل الاجتماعي للأفراد والمؤسسات بسبب مواقف أو آراء مثيرة للجدل؛ و«النظرية النقدية للعرق» (Critical Race Theory)، وهي مقاربة أكاديمية تدرس العلاقة بين القانون والمؤسسات والتفاوتات العرقية.

وإذا كانت الصوابية السياسية قد انصبت أساساً على اللغة والخطاب العام، فإن الووكية تمثل إطاراً أوسع يمتد إلى قضايا الهوية والتاريخ والتعليم والثقافة والسلطة. ولهذا أصبحت الصوابية السياسية في الغرب أقرب إلى مصطلح ينتمي إلى مرحلة سابقة من الجدل الثقافي، بينما انتقل النقاش المعاصر إلى مفاهيم أكثر تركيباً واتساعاً. ومع ذلك، لا يزال المصطلح يحتفظ بحضور ملحوظ في بعض بلدان العالم الثالث، ومنها السودان، حيث يُستدعى في كثير من الأحيان بالمعاني التي سادت في الغرب خلال تسعينيات القرن الماضي، رغم أن السجال الفكري والسياسي هناك تجاوز تلك المرحلة منذ سنوات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع