منوعات

القراية أم دق … روّضت الريح وأعجزتها الرسوم

تأملات في فيلم The Boy Who Harnessed the Wind

كمال السر

“ليست هذه مراجعةً لفيلم ولا قراءةً في عملٍ سينمائي، إنها محاولة لقراءة أنفسنا في مرآة الآخرين؛ فالحكايات العظيمة لا تبقى حيّة لأنها تروي ما حدث، بل لأنها تكشف ما يتكرر. وما دام الإنسان هو الإنسان، فإن الأفلام، كما الكتب المقدسة وكما التاريخ، لا تزال قادرة على أن تعلّمنا كيف نبني أوطاننا… أو كيف نفقدها.”

شاهدت فيلم The Boy Who Harnessed the Wind، الفيلم البريطاني الصادر عام 2019 والمقتبس من القصة الحقيقية للفتى الملاوي ويليام كامكوامبا. يحكي الفيلم قصة طفل يعيش في قرية أنهكها الجفاف، حتى صار المطر ذكرى، وصارت السنابل وعدًا مؤجلًا. وحين عجزت أسرته عن سداد الرسوم الدراسية، أُغلق في وجهه باب المدرسة، لكن أحدًا لم يستطع أن يغلق في وجهه باب المعرفة. تسلل إلى مكتبة المدرسة، وعثر على كتاب عن الطاقة، ثم خرج منه لا يحمل معلومة، بل يحمل رؤية. ومن بين صفحات الكتاب، وبقايا الحديد، وأجزاء دراجة هوائية، وريحٍ كانت تمر فوق القرية كل يوم دون أن يلتفت إليها أحد، صنع طاحونة أعادت الماء إلى الأرض والحياة إلى الناس.

وحين انتهى الفيلم، لم أكن أفكر في مالاوي، كنت أفكر في السودان.

ولم يكن ذلك لأن بين البلدين تشابهًا في المناخ أو الفقر أو الزراعة، بل لأن بينهما تشابهًا أعمق؛ كلاهما يقف على أرضٍ أغنى من واقعه، ويحمل شعبًا أوسع من ظروفه، ويعيش المأساة القديمة نفسها: أن تضيع الثروة حين تضيع الفكرة.

وظننت في البداية أنني أشاهد فيلمًا عن طاحونة هواء، ثم اكتشفت أنني أشاهد وطنًا يبحث عن طريقه إلى الريح. ما شدني في الفيلم لم يكن دوران الطاحونة، بل اللحظة التي سبقته: الصفحة. فكل ما حدث بعد ذلك لم يبدأ من الحديد، ولا من المولد، ولا من الريح، بل بدأ من كتاب. ومنذ تلك اللحظة أدركت أن الحضارات لا تبدأ من المصانع ولا من الوزارات ولا من المؤتمرات، إنها تبدأ من المكتبات. فالمكتبة ليست مكانًا تُرتَّب فيه الكتب، بل المكان الذي تتحول فيه المجاعة إلى سؤال، والسؤال إلى فكرة، والفكرة إلى اختراع، والاختراع إلى مستقبل. ولذلك لم تُولد طاحونة ويليام يوم دارت، لقد وُلدت يوم فُتح الكتاب.

ثمة مشهد قد يمر على كثيرين مرورًا عابرًا، حين أُخرج ويليام من المدرسة لأنه لم يستطع دفع الرسوم الدراسية. في الظاهر كان طفلًا يُمنع من حضور درس، لكن التاريخ لا يقرأ الأحداث بهذه البساطة. ففي تلك اللحظة لم يُطرَد طالب من فصلٍ دراسي، بل كادت تُطرَد طاحونة من المستقبل. ذلك أن المجتمعات لا تخسر حين يغادر طفل المدرسة، بل تخسر حين تغادر الفكرة عقل ذلك الطفل لأنها لم تجد مكانًا تنمو فيه. ولذلك فإن أخطر أنواع الفقر ليس أن يعجز الإنسان عن شراء الخبز، بل أن يعجز عن شراء فرصة التعلم. فالخبز يطيل العمر، أما المعرفة فتغيّر مصيره.

ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا في السودان: لسنا بحاجة إلى أن نسأل كم جامعةً نملك؟ بل كم عقلًا نغلق بابه كل عام لأن صاحبه لم يستطع دفع الرسوم؟ حين يُعلَّق ثمنٌ على باب المعرفة، لا يُمنع الفقير من الدخول وحده، بل يُمنع الوطن من الخروج. فالجامعة التي لا يدخلها إلا القادر على الدفع لا تستبعد الفقراء فقط، إنها تستبعد المستقبل، لأن الأفكار لا تسأل أصحابها عن أرصدتهم البنكية قبل أن تولد.

لكن الفيلم لم يكن في جوهره عن التعليم، كان عن شيء أعمق: عن الفرق بين التعليم والتعلّم.

فالتعليم تمنحه المؤسسة، أما التعلّم فلا يمنحه إلا الفضول والإصرار والرغبة الأكيدة. ولهذا استطاعت المدرسة أن تمنع ويليام من الجلوس في الفصل، لكنها لم تستطع أن تمنعه من أن يكون تلميذًا للمعرفة. كم من إنسان يحمل شهادة ولم يحمل يومًا سؤالًا، وكم من إنسان حُرم من الشهادة لكنه ظل يحمل في داخله ذلك القلق الجميل الذي يصنع الاكتشافات.

فالحضارات لا يبنيها الذين يحفظون الإجابات، بل الذين لا يتوقفون عن طرح الأسئلة.

لم يخترع ويليام الريح؛ كانت موجودة قبله وتمر فوق القرية كل يوم، لكنه كان أول من رأى فيها أكثر من هواء. وهكذا تبدأ النهضة دائمًا.

ليست النهضة أن نملك موارد لا يملكها غيرنا، بل أن نرى في مواردنا ما لا يراه غيرنا. فالخردة في عين التاجر تُباع بالكيلو، وفي عين المخترع قد تصبح حياة. ولعل مأساة السودان ليست أنه فقير، بل أنه كثيرًا ما ينظر إلى نفسه بعين التاجر لا بعين المخترع.

نستورد الأفكار كما نستورد السلع، وننتظر الحلول أن تهبط علينا من وراء البحار، بينما تنام آلاف الحلول في مكتباتنا، وفي ترابنا، وفي قرانا، وفي عقول أبنائنا، تنتظر فقط من يوقظها.

غير أن أكثر ما أبهرني في الفيلم لم يكن ذكاء ويليام، بل تواضع المعجزة. فهو لم ينقذ القرية وحده؛ الكتاب لم يؤلفه، والريح لم يخلقها، والخردة لم يصنعها، والدراجة لم تكن ملكه.

والمولد الذي أنار الحلم لم يأت من مصنع، بل من دراجة المعلم الذي هرب مع أخت ويليام، ذلك الرجل الذي اختزله المجتمع في خطئه حتى كاد ينسى أن الإنسان أكبر من زلته.

وهنا يهمس الفيلم بحكمة لا تُقال صراحة: إن المجتمع الذي يلقي أبناءه في سلة المهملات يكتشف متأخرًا أنه كان يرمي معهم أجزاءً من مستقبله. فالإنسان ليس خطأه وحده، كما أنه ليس فضيلته وحدها. وليس في المجتمع أحدٌ يخلو من نقص، كما ليس فيه أحدٌ يخلو من نفع.

ولذلك لا تنهض الأمم لأنها وجدت الإنسان الكامل، بل لأنها تعلّمت كيف تستثمر الإنسان الناقص. وأحسب أن السودان يحتاج إلى هذه الحكمة أكثر من أي وقت مضى. لقد أتعبتنا الحرب حتى صار كل فريق يحلم بوطن يشبهه وحده، وينسى أن الأوطان لا تُبنى بالنسخ المتطابقة. فالريح لا تسأل الأشجار عن قبائلها، والمطر لا يختار الحقول بأسمائها، والمعرفة لا تطرق أبواب فئة دون أخرى؛ إنها تنحاز إلى الإنسان فقط. ولعل أعظم ما نحتاج إليه اليوم ليس أن نتفق على كل شيء، بل أن نتفق على أن لكل واحدٍ منا قطعةً في طاحونة هذا الوطن؛ قطعة قد تبدو صغيرة، أو قد تبدو صدئة، أو قد تأتي حتى من قصة إنسان ظنناه انتهى، لكن الطاحونة لا تدور إذا غابت قطعة واحدة.

انتهى الفيلم وأنا لا أتذكر شكل الطاحونة، بل أتذكر المكتبة، وأتذكر وطنًا اسمه السودان. وما زلت أؤمن أن نهضته لن تبدأ يوم نكتشف منجمًا جديدًا أو نوقّع اتفاقًا سياسيًا آخر، ستبدأ يوم ندرك أن طفلًا يحمل كتابًا قد يكون أثمن للوطن من رجل يحمل شعارًا، ويوم نؤمن أن الريح كانت تمر فوقنا منذ زمن، لكننا لم نكن ننظر إليها بالعين التي ترى المستقبل.

ولعل الأوطان، في نهاية المطاف، تشبه طواحين الهواء؛ لا تدور بقوة الريح وحدها، بل بحكمة الذين عرفوا كيف يجمعون الخشب والحديد والكتاب والخردة، والصالح والمخطئ، في اتجاهٍ واحد. فإذا فعلوا ذلك، لم تعد الريح عاصفةً تهدم البيوت، بل صارت قوةً ترفع الماء من أعماق الأرض، وترفع معها وطنًا كاملًا من أعماق اليأس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع