مقالات

بين الولاء للأنظمة المستبدة ومساءلة وطنيتها “شعرة معاوية “

عبد الجليل سليمان

من الأخطاء الشائعة في الخطاب السياسي الخلط بين الوطنية والولاء للحكومة، وتصوير انتقاد سياساتها أو معارضة القائمين عليها باعتباره موقفاً معادياً للوطن. وكأن الحاكم هو البلاد، ومن يتولى إدارتها يمثلها تمثيلاً مطلقاً، وأن طاعته ودعمه وتأييده دليلاً قاطعاً على الولاء للوطن (الوطنية). وهذا خلط يحوّل الوطنية من قيمة أخلاقية ومدنية إلى وسيلة تبرير للاستبداد والفساد و الحكم المطلق وحماية امتيازات أصحابه، وينتقص من حق المواطنين في النقد والمساءلة.

فالوطنية، في معناها السياسي والأخلاقي، هي الانتماء إلى الوطن والارتباط بأرضه وشعبه وتاريخه ومصالحه العامة، والحرص على أمنه واستقراره وتقدمه. وتتجلى في صون موارده وممتلكاته، والدفاع عن استقلاله ووحدة أراضيه، وتقديم الصالح العام على المنافع الشخصية والفئوية، واحترام تنوع المجتمع، والمشاركة في بناء مؤسساته وإخضاع القائمين عليها للمساءلة وفق القانون.

ويستند الفكر السياسي إلى تمييز جوهري بين الدولة والحكومة: فالأولى كيان عام يجسد وجود المجتمع ومصالحه، أما الثانية فهي جهاز تنفيذي مؤقت يتولى إدارة شؤونه، ولا يكتسب شرعيته من مجرد وجوده في الحكم، بل من أدائه ومدى خضوعه للقانون وإرادة المواطنين.

وفي هذا السياق، يربط الفيلسوف والسياسي الإيطالي موريتسيو فيرولي (Maurizio Viroli)، في كتابه For Love of Country: An Essay on Patriotism and Nationalism الصادر عام 1997 عن جامعة أكسفورد، بين حب الوطن وصون حريته ومقاومة الاضطهاد والتسلط والطموحات الأنانية. ومن هذا المنظور، لا تعني محبة البلاد التسليم لمن يحكمها، بل قد تقتضي الوقوف في وجهه حين ينتهك حريتها ويضر بمصالح أهلها.

وتناقش موسوعة ستانفورد للفلسفة، في مدخلها المتخصص عن الوطنية (Patriotism)، العلاقة بين الولاء الوطني وتأييد الحكومة، وتوضح أن الانتماء إلى الوطن لا يفرض مساندة كل من يتولى الحكم فيه؛ إذ قد تنبع معارضة الحكومة نفسها من الحرص على البلاد والدفاع عن المبادئ التي ينبغي أن تقوم عليها الحياة العامة.

ومن هنا، لا ينبغي أن تبقى الوطنية تعريفاً نظرياً أو شعاراً يُرفع في المناسبات، بل يجب أن تكون معياراً عملياً لتقييم أداء الحكومات. فإذا كان جوهرها الانحياز إلى مصالح البلاد وحقوق أهلها، فمن الطبيعي أن نقيس به سياسات كل حكومة وقراراتها، بعيداً عن شعاراتها وما تدّعيه لنفسها.

فالإدارة التي تصون الموارد العامة، وتحمي استقلال البلاد ووحدة أراضيها، وتقدّم المصلحة المشتركة على المكاسب الفئوية، وتحترم حقوق المواطنين وتنوعهم، وتلتزم بسيادة القانون، تكون أقرب إلى مقتضيات الانتماء الوطني، وتستحق التأييد بقدر التزامها بهذه المبادئ.

أما إذا أهدرت مقدرات البلاد، وفرّطت في سيادتها، وأضعفت مؤسساتها، وانتهكت حقوق مواطنيها، وصادرت حرياتهم وهجرتهم من بلادهم وضيقت عليهم سبل العيش الكريم وحطت من كرامتهم وزجت بهم في السجون والمعتقلات، وجعلت استمرارها في الحكم مقدماً على مصالحهم، فإن مساندتها أو تبرير أفعالها لا يمكن اعتباره واجباً وطنياً. بل إن المسؤولية تقتضي معارضة نهجها والعمل على تغييره بالوسائل المشروعة.

وينطبق هذا المعيار على سلطة عبد الفتاح البرهان في السودان، كما ينطبق على أي سلطة أخرى. فرفع الشعارات الوطنية والحديث باسم الشعب لا يمنحان القائمين على الحكم صكاً بالوطنية؛ إذ يُحكم على أدائهم بما يحققونه للبلاد وما يصونونه من حقوق مواطنيها. ولا ينبغي أن يتحول ادعاء تمثيل الشعب إلى حصانة من المحاسبة، أو ذريعة لإسكات منتقدي السياسات والممارسات.

ومن الضروري هنا التمييز بين احترام مؤسسات الدولة والخضوع للأشخاص الذين يديرونها؛ فالمؤسسات العامة ملك للمجتمع، والموارد حق للمواطنين، ومناصب الحكم مسؤولية مؤقتة وليست ملكية خاصة. لذلك، فإن الدفاع عن مؤسسات البلاد لا يستلزم الدفاع عن كل من يتولى إدارتها، كما أن الاعتراض على سياسات الحكومة لا يعني التنكر للوطن أو الإضرار بمصالحه.

إن مقاومة الاستبداد، والمطالبة بحكم رشيد، والدفاع عن الحريات والحقوق، ومحاسبة المسؤولين عن إهدار المال العام أو التفريط في السيادة، ليست خروجاً على الوطنية؛ بل هي تعبير عن مسؤولية المواطن تجاه بلاده، ورفض لأن تتحول مقدراتها وحقوق أهلها إلى أدوات في خدمة الحاكم.

فالوطنية ولاء للبلاد وأهلها، لا طاعة للحاكم؛ وانحياز للمصلحة العامة، لا امتثال لمصالح أصحاب النفوذ. وهي دفاع عن مؤسسات الوطن وحقوق مواطنيه، لا عن امتيازات من يتولون شؤونه. فالحكومات تتبدل، والحكام يرحلون، أما الوطن فيبقى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع