مقالات

تحرير الخلاف .. بين الخطيب والدقير

فيصل محمد صالح

أظنني، مثل كثيرين، تفاءلت بالحوار غير المباشر بين السكرتير السياسي للحزب الشيوعي، مختار الخطيب، ورئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، بعد صمت طويل، وربما مقاطعة وعزوف عن الحوار. كتب الخطيب مقالاً تضمن موقف الحزب الشيوعي من الأوضاع الحالية، فوجدها الدقير فرصة لمناقشة مواقف الحزب الشيوعي من هذه القضايا، على ضوء رؤى حزب المؤتمر وتحالف صمود، الذي هو أحد قياداته.

ربما لن يستجيب الخطيب بشكل مباشر للرد على الدقير، لكن، على كل حال، فقد أثار المقال والرد عليه حراكاً وحوارات في وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا مدخل جيد لحوارات من مواقع متعددة. ويمكنني أن أشير بالتحديد إلى مقال الدكتورة ناهد محمد الحسن، الذي قرأته على صفحتها بفيسبوك، والذي عُني بشكل كبير بما يمكن أن نسميه «تحرير الخلاف» في مواقف الطرفين. وقد فعلت ذلك ببراعة وجودة ليستا غريبتين عليها، فحللت نقاط الاتفاق ونقاط الخلاف، وقدمت مقترحات لاستمرار الحوار.

واحدة من النقاط التي استوقفتني كثيراً هي مدخل مقال الخطيب، الذي لخّص فيه الصراع وتضاد الرؤى بين:

«رؤية تفسر الحرب وتداعياتها والتدخلات الخارجية المقترنة بها من خلال مشروع ثورة ديسمبر، بوصفه تعبيراً عن التغيير الجذري والتحرر الوطني، مقابل مشروع “الهبوط الناعم”، بوصفه امتداداً لأزمة الدولة وإعادة إنتاج التبعية في إطار تحالفات القوى التقليدية والعسكرية والمدنية».

بدت لي هذه الرؤية وكأنها مجمّدة منذ عام 2013، عندما طُرحت فكرة الهبوط الناعم في ورقة قدمها في معهد السلام الأمريكي المبعوث الأسبق للسودان برينستون ليمان، وجون تيمان، الخبير بالمعهد.

أعلن الحزب الشيوعي وبعض القوى السياسية حينها رفضهم للفكرة، التي انبنت على دعوة لتفكيك سلمي للنظام وبناء نظام جديد يستوعب كل القوى السياسية والاجتماعية، ويكون نظام الإنقاذ جزءاً منها.

لكن الناظر الآن إلى الأوضاع في البلاد يجد أن هناك مشاريع كثيرة مطروحة، منها مشروع البرهان والقيادة الحالية للجيش، وبرنامج الدعم السريع وحلفائه، وبرنامج الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني.. فأين تقع هذه المشاريع من رؤية السيد الخطيب؟.

لم تجرِ مياه كثيرة تحت الجسر، كما يقولون، بل انهارت جسور واندفعت المياه في كل مكان. هناك حرب تدور الآن على أجساد السودانيين ومواردهم ومقدرات بلادهم، ولا أظن أن اختصار المشاريع في “التغيير الجذري” و”الهبوط الناعم” يلخص الوضع بشكل جيد.

أي رؤية مطروحة لا بد أن تخاطب واقع الحرب، وتقول كيف يمكن إيقافها، وكيف سيتم التعامل مع أطراف الحرب، وما خريطة الطريق لأي تصور سلمي ينهي هذا الوضع.

هناك أسئلة كثيرة يجب أن توضع على أجندة الحوار، ومسؤولية القوى المدنية أن تقدم إجاباتها عنها وتنخرط في حوار جاد، مع اختلاف الرؤى، بالتأكيد، لأن هذا الخلاف لن يعفيها من مسؤوليتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع