يكابد السودان اليوم مخاضاً عسيراً وواقعاً إنسانياً واقتصادياً قاسياً، في وقت ما زال فيه دعاة استمرار الحرب ومحترفو تزييف الحقائق يصرون على إدارة الظهر لمعاناة الملايين التي تحولت إلى جحيم لا يطاق. لقد بدأت ملامح المأزق الحقيقي تتكشف بوضوح أمام هؤلاء المنتفعين، لا سيما مع تفاقم الأزمات المعيشية الطاحنة التي أغلقت الأفق أمام المواطن البسيط وألقته في أتون طوابير الخبز والوقود الممتدة التي لا تكذب ولا تتجمّل.
لقد شهد المشهد السياسي والإعلامي مؤخراً تناقضات فاضحة كشفت هشاشة خطاب تجار الأزمات، إذ انبرى البعض في البداية لشن حملة شعواء ضد حكومة الأمل ورئيس وزرائها كامل إدريس عندما حاول إنكار أزمة الوقود بتطمينات واهية لا تمت للواقع بصلة، قبل أن يرتد هؤلاء أنفسهم للتهليل والتكبير حين تدخل قائد الجيش البرهان وأصدر قراراً بفك حظر استيراد بعض السلع، مترافقاً مع توليه رئاسة اللجنة العليا لمؤسسة النفط.
ورغم هذه الوعود والقرارات، ظلت الأزمة تراوح مكانها بعناد، وتفاقم شح الوقود والكهرباء والمياه، واشتعلت أسعار المواد الاستهلاكية مع ارتفاع الدولار الجمركي، لتكتمل الفصول الكارثية باستهداف قوات الدعم السريع لمحطات توليد الطاقة والوقود، رداً على الغارات الجوية العسكرية، وفي خضم صراع محموم لتحسين المواقع الميدانية.
تتزامن هذه الشواهد القاسية مع تحذيرات دولية أطلقتها أكثر من 31 دولة، في مقدمتها بريطانيا، بشأن خطر مجاعة حقيقية تلوح في الأفق هذا العام، ورغم محاولات وزارة الخارجية نفي تلك التقارير، إلا أن المؤشرات الميدانية والبيئية تؤكد الواقع المفزع؛ فالموسم الزراعي في مناطق حيوية كالجزيرة والقضارف وكردفان يبدو غير مبشر على الإطلاق، وتأتي ظاهرة النينو المناخية لتزيد الطين بلة، بجفاف الأراضي وتراجع الإنتاجية.
وأمام هذا الحصار المطبق الذي تفرضه الأزمات المعيشية اليومية من كل حدب وصوب، يلجأ المستفيدون من استمرار الاقتتال إلى سياسات بائسة قوامها الإلهاء والتخريب المعنوي لكسب الوقت وتأبيد الوضع القائم. غير أن هذه المناورات المكشوفة باتت عاجزة عن تضليل الشعب أو حجب الحقيقة الساطعة، فصفوف الانتظار الطويلة وطحين الحاجة والتدمير الممنهج لمقدرات الوطن قد أسقطت كل مساحيق التجميل.
إن التمادي في المكابرة والمزايدة السياسية ومغالطة الواقع لم يعد يجدي نفعاً في ظل هذه الفاتورة الإنسانية الباهظة، كما أن لغة التخوين وتعليق الفشل على شماعة الاتهامات بالعمالة والارتزاق قد استُهلكت بالكامل وفقدت بريقها التضليلي.
بات لزاماً وضرورة وطنية عاجلة الركون إلى العقل والتوقيع الفوري على الهدنة المقترحة، والوصول إلى اتفاق وقف شامل لإطلاق النار يضع حداً لنزيف الدم ويرفع المعاناة عن كاهل شعب أنهكته الحرب وأثقلت كاهله الأزمات.