في الداخل، يتحدثون باسم السيادة، ويعاملون الاعتراض على حكمهم باعتباره تهديدا للوطن. وفي الخارج، يعرضون موارد البلاد وموقعها بحثا عن السلاح والحماية. هذه المفارقة هي ما يجعل زيارة عبد الفتاح البرهان إلى موسكو أكبر من مناسبة دبلوماسية: إنها تعيد كشف الفجوة بين تجبر السلطة العسكرية على السودانيين، وضعفها أمام من تنتظر منهم ضمان بقائها.
خلال لقائه فلاديمير بوتين في 30 أكتوبر 2026، أعلن البرهان استعداد السودان لمنح روسيا مواقع للاستثمار في الذهب والنحاس. وفي اليوم نفسه، منحته الجامعة الروسية الحكومية للعلوم الإنسانية دكتوراه فخرية تقديرا لتطوير العلاقات بين البلدين.
أما المعلومات الخاصة عن عرض امتداد ساحلي بطول مئة كيلومتر لقاعدة بحرية، وعن إحجام موسكو عن إعادة بحث المشروع، فلم تثبت بإعلان رسمي منشور.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تكشف حجم الخلل: قيادة تعرض التزامات استراتيجية واسعة، وطرف مقابل يفضل مكاسب التعدين وصفقات سلاح محدودة.
موسكو تحسب مصالحها، بينما تضغط الحرب على البرهان. والمفاوض المضطر، مهما علا صوته في الداخل، يدخل الغرفة الأضعف حين يحتاج إلى الصفقة أكثر من الطرف الآخر.
سبق أن جلس عمر البشير في المقعد نفسه تقريبا. ففي 23 نوفمبر 2017، خلال لقائه بوتين في سوتشي، طلب الحماية من التصرفات الأميركية التي وصفها بالعدائية، وقدم السودان بوابة لروسيا إلى أفريقيا، وأثار موضوع القواعد في البحر الأحمر. بعد سنوات من التعبئة باسم الاستقلال، انتهى رئيس النظام إلى التماس الحماية الخارجية.
كانت تلك لحظة كاشفة: الحاكم الذي يستكثر على شعبه حق مساءلته، لا يجد حرجا في طلب الحماية من رئيس دولة أخرى. يطالب المواطن بالطاعة والتضحية، ثم يعرض على الأجنبي مصالح وامتيازات. وحين تختلط سلامة الوطن ببقاء الحاكم، تصبح ثروة الأجيال وسيلة لتمويل أزمته الراهنة.
ولا تبدأ هذه المشكلة بالإسلاميين وحدهم. فقد سبقتهم انقلابات عبود ونميري، ورسخت ادعاء المؤسسة العسكرية امتلاك حق تصحيح السياسة بالقوة. ثم جاء انقلاب 1989 ليعمق التسييس، ويوسع المصالح الاقتصادية، ويضاعف أثر التنظيم داخل الدولة.
المسؤولية أوسع من حزب، وإن كان للإسلاميين دور بالغ في إفساد المؤسسة وإطالة استبدادها.
من قوة دفاع السودان إلى الجيش السوداني، قدم جنود وضباط تضحيات تستحق الاحترام. لكن شجاعة الجندي لا تمنح قائده حق الحكم، ودماء العسكريين لا تصبح صكا لامتلاك البلاد. إن الخلط بين الجيش والوطن هو الذي يسمح لكل قيادة بأن تقدم مصالحها باعتبارها مصالح الشعب، ثم تتهم معارضيها بالتفريط فيه.
والساحل السوداني ليس ملكا لقائد الجيش. الاتفاق على قاعدة يحتاج إلى إجراءات تصديق وصلاحيات محددة؛ وقد ظل التصديق، وفق التصريحات المنشورة في فبراير 2025، خطوة معلقة في المشروع الروسي. لذلك لا تتساوى قدرة البرهان على تقديم العرض مع قدرته على إنشاء التزام مستقر باسم السودان.
ثم إن البحر الأحمر ليس فراغا استراتيجيا. شارك السودان في قمة 3 أكتوبر 2026 التي أكدت حصرية حوكمته للدول المشاطئة. لا يثبت ذلك حظرا قانونيا على القواعد الأجنبية، لكنه يفرض مساءلة البرهان عن اتساق التزاماته. وأي حضور عسكري دائم سيغير حسابات الجوار والملاحة والانتشار البحري، مهما صغر الموقع الذي يبدأ منه.
وواشنطن حاضرة بحساباتها أيضا. سبق أن حذر سفيرها في الخرطوم عام 2022 من تبعات القاعدة الروسية. لا يثبت ذلك أنها أوقفت العرض الحالي، لكنه يوضح أن موسكو ستزن المشروع ضمن علاقاتها الأوسع، ولن تدخل مواجهة لمجرد أن جنرالا سودانيا يحتاج إلى سند.
وسط هذه التعقيدات، تبدو الدكتوراه الفخرية أسهل ما يمكن تقديمه. وصفها البرهان بأنها تكريم للشعب السوداني. لكن الشعب الذي شردته الحرب لا يحتاج إلى استعارة اسمه لتجميل صورة حاكمه؛ يحتاج إلى الأمن والعدالة واستعادة حياته. وتكريم قائد أحد طرفي الحرب، بينما يدفع المواطنون كلفتها، مفارقة أخلاقية جارحة.
ولموسكو سابقة تستحق التذكر. ففي 25 يناير 2005، منح معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية بشار الأسد دكتوراه فخرية. وفي ديسمبر 2024، وصل الأسد إلى روسيا حاكما مخلوعا منحته اللجوء. لا تتطابق المصائر، لكن الفارق واضح بين تكريم الحليف وضمان استمراره، وبين توفير ملاذ للحاكم وإنقاذ شعبه.
يستحق السودانيون سلطة تشبه كبرياءهم وتضحياتهم. سلطة تحترمهم في الداخل وتمثلهم بكرامة في الخارج. أما من يستخدم سلاحهم لإخضاعهم، ثم يسترخص مواردهم لاسترضاء حلفائه، فلا يدافع عن السيادة؛ إنه ينفقها. ولن تعوض شهادة من موسكو وطنا مستباحا، ولن تمنح الحاكم الاحترام الذي حرم منه شعبه.