في ديسمبر 1952، كانت شاحنة تشق طريقها عبر المسافات البرازيلية الشاسعة، كأنها تجرّ وراءها قريةً اقتلعتها الحاجة من جذورها. في جوفها، بين الأجساد المتعبة والأمتعة القليلة، جلس طفل في السابعة من عمره، لا يعرف أن الطريق الذي يبتعد به عن غارانيوس، في ولاية بيرنامبوكو، سيقوده ذات يوم إلى واحد من أكثر قصور العالم شهرة.
كان اسمه لويز إيناسيو دا سيلفا. لم يكن في الشاحنة ما يوحي بأن بين ركابها من سيصير رئيساً للبرازيل؛ لم تكن هناك نبوءة مكتوبة على جدارها، ولا ملاك يطل من نافذتها. كانت أمّه، دونا ليندو، تحمل أبناءها إلى الجنوب بحثاً عن حياة أقل قسوة. ثلاثة عشر يوماً عبرت الأسرة الطريق في شاحنة «باو دي أرارا»، قبل أن تبلغ ساحل ساو باولو، وتستقر في حي فيسنتي دي كارفاليو بمدينة غواروجا.
كانت تلك رحلة نجاة، لا رحلة مجد. لكن بعض الطرق لا تكشف عن غاياتها إلا بعد عقود، وبعض الأطفال يحملون في حقائبهم الصغيرة مستقبلاً لا يتسع له العالم الذي يغادرونه.
مملكة الجوع
في غواروجا، تعلّم الصبي أن الشارع لا يمنح خبزه مجاناً. باع الفول السوداني والتابيوكا والبرتقال، وراح يطارد رزقه بين المارة، فيما كانت أمّه تحاول أن تصنع من القليل حياةً تكفي أبناءها. ثم انتقلت الأسرة عام 1956 إلى ساو باولو، حيث لم تجد سوى غرفة واحدة في مؤخرة حانة بحي إيبيرانغا.
هناك، أخذت المدينة تعلّمه أبجديتها القاسية: عمل في تلميع الأحذية، وفي مغسلة ملابس، ثم صبياً في مكتب. وعندما بلغ الرابعة عشرة، دخل المصانع، متنقلاً بين مخازن تجارية ومصنع للبراغي، قبل أن يلتحق بتدريب مهني في الخراطة.
كان الحديد يومها أكثر حضوراً في حياته من الكتب، وكانت الآلات تفرض إيقاعها على أيامه. لم ينج الصبي من إصابات العمل، لقد فقد خنصر يده اليسرى في مخرطة الرأسمالية.
منذ ذلك الحين، بقيت في يده فجوة صغيرة، كأن المصنع وضع توقيعه على جسد العامل قبل أن يخرج من بابه. لم يكن يعرف أن تلك اليد ستُرفع يوماً أمام حشود هائلة، وأن النقص الذي خلّفه الحديد سيغدو جزءاً من صورة رجلٍ يتحدث باسم ملايين العمال.
أصوات الحديد
لم يدخل لولا السياسة من أبوابها المزخرفة؛ دخلها من بوابة المصنع، حيث تتراكم الشكاوى مثل غبار الحديد، وحيث يعرف العامل أن الصمت لا يزيد الأجر ولا يردّ الكرامة. وبمساعدة أخيه فري شيكو، اقترب من العمل النقابي، حتى انتُخب عام 1975 رئيساً لنقابة عمال المعادن في ساو برناردو دو كامبو ودياديما، حاصداً 92 في المئة من الأصوات، وممثلاً نحو مئة ألف عامل.
ثم بدأت المصانع تتكلم بأصوات أصحابها. خرج العمال إلى الشوارع، وتعالت الإضرابات في وجه الحكم العسكري، وصار هدير الحشود ينافس هدير الآلات. لم يكن لولا أفصح الخطباء، لكنه امتلك شيئاً لا تمنحه مدارس الخطابة: ذاكرة الجسد الذي عرف التعب، واللغة التي لا تحتاج ترجمان كي تصل إلى قلب العامل.
وفي العاشر من فبراير 1980، شارك في تأسيس حزب العمال، في كلية سايون بمدينة ساو باولو. كأن أولئك الذين ظلوا طويلاً ينتجون ثروة البلاد من وراء أبواب المصانع قرروا أن يدخلوا أخيراً إلى غرفة صنع القرار.
أبواب السلطة
ثلاث مرات طرق لولا باب الرئاسة ولم يُفتح له: في 1989 و1994 و1998. وكان في كل مرة يعود إلى الطريق، فيما بدا أن القصر يعرف كيف يردّ أبناء الطبقة العاملة إلى أرصفة الانتظار. لكن عام 2002 حمل مفاجأته؛ فاز الرجل الذي جاء من شاحنة مهاجرين، وتولى الرئاسة في الأول من يناير 2003.
دخل قصر بلانالتو، ولم يكن في وسع الحارس عند البوابة أن يفتش ذاكرته. دخل معه خبز الشوارع، وضجيج المصانع، ووجوه الأمهات اللواتي يحسبن ما تبقى من الطعام قبل أن ينام الأطفال. أطلقت حكومته برنامج «بولسا فاميليا» لمساندة الأسر الفقيرة، واتسعت برامج مكافحة الجوع. لم تنقلب البرازيل في ليلة واحدة إلى أرض بلا فقر، ولم تختفِ تناقضاتها، لكن ملايين البيوت وجدت فسحةً على موائدها، وقُيّض لأطفال كثيرين أن يتخيلوا مستقبلاً لا يبدأ بالعمل المبكر.
زمن القضبان
غير أن الحكايات التي تصعد عالياً لا تسير دائماً في اتجاه واحد. غادر لولا الرئاسة عام 2011، ثم عاد اسمه بعد سنوات إلى قلب عاصفة سياسية وقضائية. في أبريل 2018 دخل السجن على خلفية إدانته في قضية شقة غواروجا ضمن عملية «لافا جاتو». أمضى 580 يوماً خلف القضبان، فيما كانت البرازيل تنقسم حوله، ويتحول سجنه إلى مرآة تعكس خصوماتها العميقة.
وفي مارس 2021، ألغى القاضي إدسون فاشين أحكام الإدانة الصادرة عن محكمة كوريتيبا لعدم اختصاصها بنظر القضايا، وأكدت المحكمة العليا القرار في أبريل. وفي قضية شقة غواروجا تحديداً، قضت المحكمة العليا أيضاً بأن القاضي سيرجيو مورو تصرف بتحيز في إدارة المحاكمة. لم تكن تلك نهاية الجدل، لكنها كانت منعطفاً أعاد لولا إلى المجال السياسي، وفتح أمامه الطريق من جديد.
الشاحنة الأخيرة
في أكتوبر 2022، عاد إلى الرئاسة بفوزه على جايير بولسونارو، بعد اثني عشر عاماً من مغادرة القصر. ثم جاءت انتخابات 25 أكتوبر 2026، فعاد الرجل إلى الفوز، متقدماً على فلافيو بولسونارو بنسبة 51.79 في المئة من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.21 في المئة لمنافسه. وبعد يومين من ذلك الفوز، أتم عامه الحادي والثمانين؛ كأن الزمن أراد أن يضع عيد ميلاده إلى جوار عودته، في مفارقة لا تحتاج إلى كثير من الخيال كي تبدو روائية.
ليس لولا قديساً خرج من صفحات الحكايات، ولا بطلاً معصوماً من الخطأ والمساءلة. إنه سياسي حمل تناقضات بلاده إلى القصر، وخرج منها إلى السجن، ثم عاد إلى السباق والسلطة، تاركاً وراءه تجربة لا يمكن اختزالها في مديح أو إدانة.
لكن ثمة صورة تظل عصية على النسيان: طفل في جوف شاحنة، يبتعد عن أرضه ولا يعرف شيئاً عن المستقبل؛ ورجل مسنّ يقف بعد سبعة عقود على عتبة ولاية رئاسية جديدة. بين الصورتين مصانع أكلت من جسده، وطرقات أكلت من عمره، وصناديق اقتراع فتحت وأغلقت، وأبواب سجون انطبقت ثم انفرجت.
لقد مضت الشاحنة منذ زمن، لكن عجلاتها لم تكفّ عن الدوران في ذاكرة البرازيل. وربما لم تكن تحمل لولا وحده؛ ربما كانت تحمل، دون أن تدري، سؤالاً ظل يرافقه طوال الرحلة: إلى أي مدى يستطيع الفقر أن يمضي بصاحبه، إذا لم يسلّم له صاحبه بمكانه؟