مقالات

ظهور هارون : رسائل مشفرة، أم تاكيد سيطرة الإسلاميين على الوضع؟

صلاح شعيب

ظهر المتهم بجرائم الإبادة الجماعية في دارفور والمطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية أحمد هارون في بودكاست جديد أثار الرأي العام السوداني.

بل أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول طبيعة العلاقة بين قيادة الجيش والحركة الإسلامية أثناء الانتقال الديمقراطي، وبعد الانقلاب، والحرب.

هذا الظهور الإعلامي لهارون جاء بعد تخفٍ طال لأكثر من ثلاث سنوات من خروجه من السجن، الأمر الذي طرح أسئلة جوهرية حول مغزى التوقيت والرسالة التي يحملها: هل هي معنية بالداخل أم الخارج؟ وهل يمثل هذا الظهور تدشيناً لمرحلة جديدة تريد فيها زعامات الحركة الإسلامية مباشرة العمل السياسي داخل البلاد بشكل علني بعد أن ظلت متخفية، وترك الأمر لقيادات قليلة لضرورات إستراتيجية؟ وهل حصل هارون على ضوء أخضر رسمي يسمح له بالظهور الإعلامي دون تحفظ، أم أنه تحدث من تلقاء نفسه دون أن يشعر بأي إحراج تجاه قيادة الجيش المسؤولة في نهاية المطاف عن حماية المتهمين المطلوبين لدى المحكمة الجنائية، والتضييق على نشاطاتهم السياسية والإعلامية؟

الإجابة في تقدير كثيرين لا تخرج عن احتمالين لا ثالث لهما: إما أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان قد أخذ علماً مسبقاً بهذا الظهور وأقرّه ضمنياً، أو أن هارون وجماعته يسيرون دولة البرهان بالاتفاق معه، وبالتالي لا يرون أهمية لإعلامه بتفاصيل تحركاتهم الإعلامية.

في الحالتين تبدو الصورة واحدة للنابهين بمكر البرهان والكيزان: علاقة عضوية لا تزال قائمة وتتجدد كلما دعت الحاجة. ولكن على المستوى العام تحاول قيادة الجيش الضحك على كثير من المغفلين سياسياً، بينما تمارس قيادة الحركة الإسلامية وكوادرها والموظفون لديها من الإعلاميين الغش بان كل ما يقال عن إشعال الإسلاميين الحرب مجرد هراء، وتحميل القوى المدنية المسؤولية: رمتني بدائها وانسلت.

أيا كانت الإجابات بتنوعها وتعدد احتمالاتها لدى المتابعين لعلاقة الطرفين، فإن الحقيقة الثابتة أن هناك تنسيقًا تاماً بين البرهان ودائرته والحركة الإسلامية منذ الأيام الأولى للثورة.

هذا التنسيق لم يكن مجرد تفاهم عابر أو ضرورة مؤقتة، بل علاقة بنيوية استمرت وتطورت مع تغير الظروف التي واجهت وضعه في السلطة.

والشواهد على ذلك كثيرة وقد بدأت تتكشف تدريجيا للمدنيين الذين كانوا يراهنون على قطيعة حقيقية بين قادة الجيش ورموز النظام السابق.

من أبرز هذه الشواهد ما ذكره الأستاذ صلاح مناع في تصريحات سابقة، حين أشار إلى أنهم كانوا يبحثون عن علي كرتي، ليتضح لهم لاحقاً أنه كان تحت حماية البرهان داخل القيادة العامة.

مثل هذه الإفادات لا يمكن تجاهلها أو اعتبارها مجرد روايات فردية، فهي تكشف نمطاً متكرراً في التعامل مع رموز الحركة الإسلامية المطلوبين أو المتهمين، وتؤكد أن الحماية السياسية والأمنية ظلت قائمة حتى في أشد لحظات الضغط الداخلي والخارجي التي واجهت البرهان.

إن ظهور هارون بهذا الشكل العلني لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع. فهو ليس مجرد مداخلة إعلامية عابرة لإعلامي إسلامي جديد هو نفسه يلعب دوراً لتأكيد استقلاليته المزعومة. إذ هو يقوم باختراقات لصالح التنظيم باستضافة رموز مدنية حتى يصبغ منصته بنوع من الحياد الخادع.

رسالة ظهور صاحب عبارة “أمسح ..أكسح ..قشو..ما تجيبو حي” متعددة الأبعاد. هي بالكاد معنونة إلى بريد قواعد الحركة الإسلامية بأن زعاماتها لا تزال حاضرة وقادرة على الظهور، وأنه جاء أوان التطبيع مع الرأي العام بعد أن زالت أسباب معينة.

وهي أيضاً رسالة إلى الخصوم السياسيين بأن حسابات ما بعد الحرب لا تزال تحتفظ بمكانة لهذه القوى، ورسالة إلى المجتمع الدولي بأن الملفات الجنائية قد لا تكون بالأولوية التي يُفترض أن تكون عليها داخل مؤسسات الدولة الحالية.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا الظهور مقدمة لعودة أوسع وأكثر تنظيماً، أم مجرد اختبار لردة الفعل الشعبية والرسمية. لكن ما لم يعد محل جدل هو أن العلاقة بين قيادة الجيش والحركة الإسلامية لم تنقطع يوماً، وأن ما يُعلن اليوم ليس إلا جزءً مما ظل يُدار في الخفاء لسنوات.

كل ذلك مفهوم، ولكن الغريب ان معظم الكيانات المدنية صمتت أمام ظهور هرون ولم تصدر بيانات استنكار خصوصاً أن هذا الرجل كان من المفترض أن يعود إلى السجن ما دام الأمر قد استتب في المناطق التي يسيطر عليها الجيش.. ولكن الرجل يُنظر في البودكاست الجديد عن خطط لإعادة إعمار البلاد، ومقدمه يبتسم بعيونه!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع