أخبار

السودان يحترق بنار الحرب ويكتوي بالجوع

مصعب محمد علي  (*)

الفاشر و سنار… مدن تحترق بنار الجوع

في الفاشر وسنار، مدنٌ تحاول الصمود في وجه الرياح العاتية، تُحاصرها ألسنة الجوع وتغمرها أمواج القسوة. بين الأزقة الضيقة والمنازل المتآكلة، يعيش المواطنون تحت وطأة واقعٍ لم يعد بالإمكان تجاهله. المجاعة التي كانت كابوساً يلوح في الأفق، أصبحت الآن شبحاً يطارد الجميع، من الأطفال الذين ينامون على بطون خاوية، إلى الأمهات اللاتي يفقدن القدرة على طمأنة صغارهن. لم تعد الحياة هنا تدور حول الأمل بمستقبلٍ أفضل، بل حول الصمود أمام قسوة اليوم.

تحليق الأسعار… والآمال تذوب في ظل التضخم

في الأسواق السودانية، ارتفعت الأسعار كأنها تلاحق غيمة ثقيلة لا تحمل سوى المطر الحارق. جوال السكر الذي كان يوماً رمزاً للمعيشة البسيطة، أصبح يُباع بسعر يعجز عن وصفه الخيال، 240 ألف جنيه. البصل، الذي كان جزءاً من كل مائدة، تجاوز جواله 300 ألف جنيه، و”جركانة” زيت الطعام، التي كانت تغذي البيوت، أصبحت بعيدة المنال بعد أن وصل سعرها إلى 90 ألف جنيه. هذه الأسعار لم تعد مجرد أرقامٍ تزداد، بل هي أسلاك شائكة تحيط بحياة الناس، تقيدها وتخنقها.

الحصار المفروض على المدن، والسيطرة الكاملة على الطرق الرئيسية من قبل أطراف الصراع، جعلت الوصول إلى الأسواق مخاطرة تفوق قدرة الكثيرين على تحملها. في كل خطوة يخطوها المواطن نحو السوق، يعرف أنه قد يواجه تحدياً يفوق قدرة جيبه المثقل بهموم الحياة. الأسعار هنا ليست مجرد كلمات، بل هي سياطٌ تضرب ظهر كل من يحاول البقاء واقفاً.

شلل اقتصادي… الحياة تتوقف عند أبواب الأمل

النشاط التجاري والزراعي، الذي كان يوماً ما يضخ الحياة في شرايين السودان، توقف تماماً. الأسواق التي كانت تنبض بالحركة والضجيج، تحولت إلى أماكن مهجورة، لا تسمع فيها إلا صدى الخطوات الضعيفة لأولئك الذين يغامرون في البحث عن قوت يومهم. الوقود، عصب النقل والحركة، أصبح شحيحاً لدرجة يُباع الجالون الواحد منه بـ60 ألف جنيه، مما جعل تكلفة نقل السلع إلى الأسواق قاسية للغاية.

في ظل هذا الواقع، باتت الحياة في السودان مرهقة، يتجول الناس في شوارع مدنهم التي تحولت إلى مساحات فارغة من الحياة. وجبة واحدة في اليوم أصبحت أقصى ما يمكن تحقيقه، وكل يوم يمر يزداد فيه نطاق الجوع، ليبتلع المزيد من الأرواح التي لم تعد تملك سوى الأمل الضعيف في النجاة.

الحرب تقطع الأرزاق وتفتح أبواب الموت

ليست الأسعار وحدها هي التي تُثقل كاهل السودانيين. الحرب التي اندلعت، لم تترك شيئاً على حاله. الكهرباء التي كانت تنير بيوت السودانيين، غابت تماماً منذ بدء الصراع. القصف المدفعي الذي لا ينقطع، حوّل المدن إلى ساحات مفتوحة للدمار. وفي كل مرة تسقط فيها قذيفة، يسقط معها جزء من الأمل في النجاة. مئات الأرواح أزهقتها الحرب، والأرقام لا تتوقف عن الزيادة، فيما يظل الناس في انتظار نهاية قد لا تأتي أبداً.

الفاشر تحت الحصار… والجوع يقود إلى اليأس

الفاشر، المدينة المحاصرة، أصبحت رمزاً لمعاناةٍ لا تنتهي. الطرق المؤدية إليها، تتحكم فيها قوات الدعم السريع، مما جعل الوصول إلى المواد الغذائية والدواء أمراً مستحيلاً. النشاط التجاري والزراعي في المدينة، توقف تماماً. ولم يعد السكان يرون في الأفق سوى مزيد من الجوع والخوف. الكيلوغرام الواحد من السكر أصبح حلماً بعيد المنال، وحتى البسيط من القمح، الذي كان غذاءً يعتمد عليه المواطنون، بات غير متاح لمعظمهم. الحلول البديلة مثل البليلة، لم تعد متاحة هي الأخرى، بعدما تضاءلت القدرة الشرائية إلى أدنى مستوياتها.

نداء استغاثة… وأصوات تدعو للثورة

في هذا الظلام الدامس، ترتفع أصوات تعلو فوق دوي المدافع، تنادي بثورة تضع حداً لهذه المأساة. المواطنون الذين يعانون في صمت، بدأوا يرفعون أصواتهم مطالبين بإنهاء هذه الحرب التي لم تجلب سوى الدمار. الأصوات التي كانت تتردد في الخفاء، أصبحت اليوم علنية، تدعو للاحتجاج ضد الحرب التي تجر السودان إلى هاوية لا قرار لها.

في الفاشر، و سنار، و في كل المدن التي تعاني تحت وطأة الحرب، يعلق المواطنون آمالهم على تحرك عاجل ينقذهم من هذه المأساة. السودان اليوم يقف عند مفترق طرق، بين حياة تلتهمها الحرب و المجاعة، أو ثورة تفتح أبواب الأمل. إنها لحظة حاسمة، تتطلب من الجميع التكاتف لإيقاف هذا النزيف، وإعادة الحياة إلى هذا الوطن الجريح.

(*) صحفي وكاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع