مقالات

هل تجاوز النظام الأساسي للهلال (أملٌ كتبت وبدرٌ قرأ)؟

محمد عبد الماجد

أجازت الجمعية العمومية لنادي الهلال للتربية التعديلات المقترحة بالأغلبية بعد إكمال نصاب الحضور “374” عضواً، من جملة “506”.

وأجازت الجمعية أبرز تعديل وهو إسقاط شرط الحصول على الشهادة السودانية من أجل الترشح لمقاعد مجلس الإدارة؛ حيث تم استبداله بأن يكون المرشح يجيد القراءة والكتابة.

مواقع التواصل الاجتماعي وروادها أحياناً يصورون لكم الأمور بتضخم زائد، دائماً مواقع التواصل الاجتماعي عندها تضخم في الغدد التقديرية، ودائماً هي يمكن أن تسوق الناس بلا هدى؛ لذلك الانطباعات التي تخلفها مواقع التواصل الاجتماعي دائماً تكون بعيدة عن الواقع وبعيدة عن الحقيقة. هي فعلاً عالم افتراضي لا علاقة له بالواقع.

هذا التعديل الذي أسقط على عضو مجلس الإدارة المنتخب شرط الحصول على الشهادة السودانية، واستبدله بشرط القراءة والكتابة، ليس تعديلاً كارثياً ولا هو بالسوء الذي تصوره لكم مواقع التواصل الاجتماعي. لا أنكر أنني من ناحية شكلية كنت أتمنى ألا يحدث هذا التعديل، لكن عملياً لا غضاضة فيه؛ فالتميز في العمل التطوعي يجب ألا يكون بالشهادات.

أغلب الناس أبناء آباء وأمهات لا يحملون أي مؤهل أكاديمي، ولا يعرفون الكتابة ولا القراءة، لكن أحسنوا التربية وكانوا أفضل الناس، ولو تمت مقارنتهم مع بعض الذين يحملون الشهادات العليا الآن لكانت كفتهم هي الأرجح.

أقول ذلك حتى لا يقول لي أحد إن الزمن تغير والشهادات أصبح لا بد منها؛ علينا أن نفرق بين الفهم والشهادات، نحن نقول: (القلم لا يزيل بلم).

إذا استطعت أن تتميز وأن تتقدم في الحياة وأنت لا تملك شهادة عليا فذلك أمر يجب أن يُحسب لك لا يُحسب عليك، وأعتقد أن من يترشح ليكون عضواً في مجلس الهلال إذا لم يكن مميزاً لن يفوز في الانتخابات، بل ولن يترشح من الأساس.

الأمر في النهاية سوف يخضع لصناديق الاقتراع، وإذا استطاع مرشح لا يمتلك شهادة سودانية أن يتغلب على مرشح يمتلك شهادات عليا، فذلك يعني أن ذلك الشخص شخص غير عادي؛ كفى أنه تغلب على أصحاب الشهادات، والأكيد أنه يمتلك مؤهلات أخرى مكنته من أن يتغلب على أصحاب الشهادات.

لماذا نحرم الذين لا يمتلكون شهادات سودانية من خدمة الهلال ونحن في بلد يعاني من الأمية والغالبية العظمى لا تملك شهادات، خاصة الأجيال السابقة؟ لا أعتقد أن تميز الشخص وحقوقه، خاصة في العمل التطوعي، تحددها الشهادات الأكاديمية؛ فكثيرون يمتلكون شهادات عليا وليس عندهم ما يقدمونه، وكثيرون أميون بمعني الكلمة لكنهم شخصيات لهم قيمة وقادرون على إفادة المجتمع أكثر من غيرهم. العبقرية، والموهبة، والفدائية، والتضحية، والجود، والبذل، والعطاء؛ كل هذه الأشياء لا تحددها الشهادات الأكاديمية ولا تمنحها.

لا أريد أن أقلل من أصحاب العلم أو أقدح في الشهادات، علماً بأن العلم لا يرتبط بالشهادات الأكاديمية، لكن أقول يجب علينا ألا نقيم الشخص بشهاداته، “وإن أكرمكم عند الله أتقاكم”… نعم “إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ”، ولكن العلم المقصود هنا لا يؤطر بالشهادات، أو على الأقل لا يبعد الذين لا يحملون شهادات أكاديمية من الخشية. والعالم الغربي رغم ما وصل له من علم أكاديمي وما توفر له من دراسات وأبحاث وشهادات، إلا أنهم يجهلون حتى الله سبحانه وتعالى، فما جدوى شهاداتهم بعد ذلك؟

قصدت أن أقول إن تميز الشخص في الغالب يكون لصفاته الشخصية وطباعه وأخلاقياته؛ الأكيد أن الشهادات يمكن أن تضيف لك، لكنها لا تحرم الآخرين الذين يمتلكون تلك الصفات من التميز.

الهلال هو نادي الحركة الوطنية وهو نادي الخريجين، أسسته ثلة من الخريجين الأوائل ونحن فخورون بذلك، لكن في الوقت نفسه الهلال هو هلال الشعب، ومن حق كل فئات المجتمع حتى التي لا تمتلك شهادات أن يكون هنالك ممثل لها في مجلس الإدارة.

تواقٌ أنا دائماً لتمثيل كل فئات المجتمع في العمل العام، خاصة الكراسي التي يُوصل لها عبر الانتخاب؛ هذه هي الديمقراطية الحق.

أحلم أن يكون بين الفينة والأخرى هنالك كفيف أو معاق في مجلس الهلال؛ لا أريد أن تضع اللائحة ذلك أمراً لا بد منه أو شرطاً لاكتمال أي مجلس إدارة، لكن أتمنى أن يكون لتلك الفئة وجود وتمثيل في مجالس إدارة الهلال القادمة.

الذي لا يجيد الكتابة والقراءة يمكن أن يطلق عليه أمي، وذلك لا يعني أن ذلك الشخص جاهل؛ فالجهل لا علاقة له بالكتابة والقراءة، رغم أن الكتابة والقراءة من الأدوات الضرورية جداً للحصول على العلم.

عموماً لا تقلقوا؛ لا أحب التعامل مع الأمور بهذه المخاوف والهواجس، تعاملوا مع كل الأمور باعتبارها أموراً حياتية عادية وليس كوارث أو نهاية الدنيا.

منصور خالد في كتابه الموسوم بـ(النخبة السودانية وإدمان الفشل) شرح الأزمة السودانية وأوضح أن فشلها في النخبة أو الصفوة، أو بواضح العبارة كذا: “في أصحاب الشهادات”. يتمحور الكتاب حول فكرة مركزية وهي أن الأزمة السودانية ليست أزمة موارد أو شعب، بل هي أزمة قيادة (نخبة). مفهوم “إدمان الفشل”: يرى منصور خالد أن النخبة السياسية السودانية (بمختلف توجهاتها يميناً ويساراً) ظلت تكرر نفس الأخطاء التاريخية دون التعلم منها، هذا التكرار النمطي للأخطاء هو ما أسماه “الإدمان”.

أزمة السودان أزمة تسبب في جزء كبير منها “المثقفاتية” و”المنظراتية”، وللأسف ضحيتها كان الشعب المغلوب على أمره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع