ببالغ الحزن تلقت الأمة السودانية نبأ رحيل الفنان الكبير مجذوب أونسة إثر حادث سيرٍ مؤلم. فأونسة من أبرز فناني السبعينات، وهي فترةٌ غنيةٌ بالتجارب اللحنية الجديدة والقصائد المميزة والأصوات الطروبة.
لم يكن الوصول إلى الجمهور حينها أمراً سهلاً، إذ شهدت تلك المرحلة ميلاد مواهب صوتية جديدة – بإمكانيات عالية – أُضافت إبداعاً لجيل الرواد والخمسينات والستينات.
لذلك كان همُّ الفنان مجذوب هو تأكيد موهبته حتى حقق مكانته المقدرة في الوسط الفني.
وبفرادَة ذلك الصوت القوي، تمكن أونسة في فترةٍ وجيزةٍ من أن يصبح أحد النجوم المميزين الذين تهرول اليهم الأسر لأداء حفلات العرس.
حينذاك ألّف العديد من الألحان، واختار كلماتٍ راقيةً، وكان أقرب الناس إليه بالدعم شقيقه الشاعر الراحل حسين أونسة.
كما تعاون مع الشعراء تاج السر عباسٍ، وبشير علي الحاج، ومحمود الجيلي، وإبراهيم الرشيد، وآخرين، فوصلوا به إلى وجدان الجمهور.
ولا ننسى دور الموسيقار الكبير عبد اللطيف خضر ود الحاوي في دعم تجربته، عبر أغنية «ما سلامك». شكّلت هذه الأغنية انتشاراً واسعاً في السبعينات، وأصبحت من أيقونات المرحلة.
استمع إليها الناس في مدن السودان وقراه بمتعةٍ كبيرةٍ، بفضل ألحان خضر المميزة وصوت مجذوب الذي أوصل إحساسها بصدقٍ.
كانت «ما سلامك» خطوته الأولى نحو الجمهور، وتوالت بعدها أعماله مع شقيقه حسين، ومع تاج السر عباس في أغنياتٍ مثل «بريدة»، و«وآخر خبر»، و«أماني وأقدار»، و«يا نور عينيا»، و«صياد النجوم»، فضلًا عن العشرات من الأغاني العاطفية، والوطنية. كل هذه الأعمال أضافت إلى إرث الراحل من السبعينات حتى وفاته.
شارك مجذوب في كل الفعاليات الإبداعية، وكان نجماً في مناسبات الأعراس، لأن أعماله حملت إيقاعاتٍ جميلةً وراقصةً.
غنى للوطن، وطاف كل مدن السودان. ظل محباً لبلده حتى بعد الحرب، فلم يغادره. ارتبط بجمهوره حتى آخر لحظةٍ حيث نزح إلى شندي وأقام هناك عدداً من الحفلات. وعلى مدى خمسين عاماً، ظل حاضراً في الإذاعة والتلفزيون والمهرجانات وتأبين الفنانين. وهكذا تميز أيضًا بالمجاملات، فأحبّه الناس وقدّروه.
اسمه الحقيقي هو مجذوب إبراهيم أونسة. وُلد في قرية نقزو ببربر، المدينة التي زرتها يوماً ووقفنا على استراحات للحجيج نحو الدوح النبوي.
فبربر كانت عاصمة الولاية الشمالية، فيها نشأ مجذوب عند موطن الأجداد، في أسرةٍ تحترف صياغة الذهب.
وظل مهتمًا بالمهنة حتى بعد انتقاله إلى الخرطوم، لكن الغناء تطلب وقتاً وجهداً وسفراً، فتفرغ له.
أتقن صياغة الذهب التي هي فنٌّ دقيقٌ، وكذلك كان أداؤه: تطريزٌ عالٍ ودقةٌ في مجاراة الأوركسترا. هذا ما منحه حضوراً وتقديراً في كل حفلاته ومناسباته الوطنية.
كان مجذوب شخصيةً مرحةً، ودودةً، متواضعةً للغاية. من يقابله لأول مرةٍ يلمس حياءه وأدبه الجم رغم نجوميته.
لي معه ذكرياتٌ كثيرةٌ في اتحاد الفنانين، والإذاعة، والتلفزيون. أذكر أننا دعوناه مرةً إلى مكتب جريدة “الحياة” اللندنية لإجراء حوارٍ، فجاء برفقة الراحل الأمين عبد الغفار. كان الأمين يحتفظ بعودٍ في سيارته وآخر في البيت. طلبنا من مجذوب أن يقدم لنا شيئًا من الدندنة، فنزل الأمين وأحضر العود.
أغلقنا المكتب، وبدأ مجذوب يغني، ثم شاركه الأمين في ثنائيةٍ نغميةٍ بديعةٍ. غنى كل منهما للآخر، وغنى كلٌّ أعماله الخاصة. كانت جلسةً نهاريةً استمرت أكثر من ساعتين، واستمتعنا بأداءٍ استثنائيٍّ. يومها أدركت عمق العلاقة بينهما، فكلاهما امتاز بالأخلاق الرفيعة والأدب والتواضع.
مجذوب والأمين كانا من دعائم الحركة الفنية. تلك أيامٌ مضت بحلوها ومرها، لكن صوتيهما ظلا يشنفان آذان الخرطوم.
وللأسف، ضاعت أعمالٌ كثيرةٌ لمجذوب بسبب صعوبات التسجيل وغياب الشركات. وقد سمعت له ألحانًا في جلساتٍ خاصةٍ لم تُسجّل بأوركسترا.
ظل مجذوب حاضراً لأكثر من خمسين عامًا، منذ ظهوره في مطلع السبعينات. لذلك كان رحيله محزنًا لكل من استمع لفنه الراقي. فهو تنقل والده بين بربر والدامر لتجارة الذهب، وهذا التنقل أثرى موهبته بالاستماع لإيقاعات المنطقة. آنذاك واصل الصياغة فيما برز في الجمعيات الأدبية المدرسية.
من البرامج التي عرّفت الجمهور به كان برنامج الراحل صلاح طه “خارج الاستوديو”. ومنه انتمى مغنياً إلى الإذاعة السودانية، مع جيل خوجلي عثمان، ونجم الدين الفاضل ومحمد سلام، ونافسه لاحقا فنانو مهرجانات الثقافة. ولكنه ظل حاضراً وسط جيل السبعينات.
كان مجذوب يتقن اختيار الشعر، والألحان، ومحافظا ًعلى صلته باتحاد الفنانين. إذ كان يحضر يومياً إلى الاتحاد والإذاعة، لحرصه على التجديد. وحتى في فترةٍ العشرين عاماً الماضية كان يطرح أغنياتٍ جديدةً، عاطفيةً ووطنيةً.
وهكذا صار اسم “أنسة” على كل لسانٍ، وارتبط بثلاثة أجيالٍ: جيل السبعينات، والجيل الوسيط، والجيل الحالي. كما ساهم فنانون شبابٌ في إيصال أعماله بأداءٍ مختلفٍ، فأدوا “ما سلامك” و”جان الخبر” و”يا وطني” في المناسبات الاجتماعية والوطنية بكثير من المحبة لأعماله.
إلى جانب العود، عزف أونسة الطمبور في بداياته، وهي آلةٌ صعبةٌ الإجادة. تمكنه منها ساعده لاحقا في إتقان العود.
وقد شعرت بمحبته الفائقة للعزف في جلستنا بمكتب “الحياة” مع الأمين عبد الغفار.
كانت لمجذوب علاقاتٌ مميزةٌ مع الإعلاميين في الإذاعة والتلفزيون والصحف.
رجلٌ كريمٌ، لا يرد طلب حوارٍ. يسهّل مهمة الصحفي وينصت للأسئلة. لذلك أحبه الإعلاميون والناس. امتاز بخفة الظل والحياء والأريحية.
لقد رحل مجذوب أنسة، وبرحيله فقد الفنانون والناس صاحب الابتسامة والصوت المتفرد. صوته كان متميزاً، كصوت خليل إسماعيل وإسماعيل حسب الدائم، وهو من الأصوات التي يصعب تكرارها. إنهم ساهموا جميعًا في إثراء المرحلة من السبعينات إلى التسعينات، بالفن الراقي الذي بنى وجدان السودانيين.
حزن السودانيين عليه كان كبيراً. ويتضح ذلك من اهتمام وسائل الإعلام والتطبيقات الحديثة يوم وفاته.
فرحيله خسارةٌ بحجم الخواص الإنسانية والإبداعية التي ارتبطت بشخصيته. إننا في الفترة الأخيرة فقدنا محمد الأمين، وعبد القادر سالم، وآخرين. وبدا الأمر كما يقول بعض الكتاب: “رحيل النوارس خلسةً”.
هكذا تتساقط أوراق خريف الأغنية السودانية، ونرث الحزن. ووراثة الحزن صعبةٌ حين ترتبط بمن أضافوا لأيامنا جمالًا، ولذاكرتنا ألحانًا عبرت عن مراحل مهمةٍ في تطور ذائقة الشعب السوداني.
برحيل مجذوب انطوت صفحةٌ نضرةٌ لإبداعيةٍ تخلّقت في سبعينات القرن الماضي، ثريةٌ بعنفوان الشجن، وبسماحةٍ إنسانيةٍ متصلةٍ بشخصيته الودودة المتواضعة، وحبه لجمهوره ووطنه، وإخلاصه للفن. كان صوته يغرد في سماواتنا وساحاتنا وبوادينا وقرانا. ورغم أننا فقدنا حضوره، فإن أعماله ستظل نبراساً للمبدعين، وبئراً نمتح منه أنغام الشجن واللوعة.
العزاء لأسرته الكبيرة، ولأهلنا في بربر وشندي وأم درمان، ولكل بقاع السودان. والعزاء للفنانين أصدقائه، ولشعبنا الذي تنعم بجماليات الفنان الكبير مجذوب أونسة.
نتضرع إلى الله أن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء، وأن يغفر له بما قدم من باقاتٍ جميلةٍ في الشعر والتلحين والأداء.