بين عملات الصين المثقوبة و أرقام الكترونيه تظهر على شاشه جوالك، نقف أمام أقدم لغز عرفته البشرية : قصة البحث عن القيمة.
تبدأ رحلتنا بالالقاء نظرة تاريخية سريعة نستعرض فيها كيفية تنظيم البشر لمعاملاتهم اليومية في ظروف معقدة، فقبل العملات كانت المقايضة هى عصب الحركة المالية للأسواق، والمقايضة هى عملية تبادلية باعطاء ما تملكه مقابل أخذ ما تحتاجه، هذا النظام المالي لم يستطيع الصمود طويلاً مع الوقت لاسباب واضحه وهى افتقاره للوضوح والدقه في المعايير فضلاً عن تعرضه للتلف او السرقة في حال السفر او تعرض صاحبه للخطر او ربما القتل.هذا المآزق التاريخي دفع الحضارات لابتكار حل، فالصين طوّرت نظامها المالي من استخدام الودع كنقود الى عملات معدنية من النحاس والبرونز دائرية الشكل مثقوبة من الوسط، هذا التصميم الفريد ليسهل ربطها معاً وحملها. وأما أرض ليديا (منطقة تقع في تركيا حالياً) مزجت الذهب والفضة لسك عملات غيرت مفهوم التجارة والسيادة، هذا البريق الاصفر سرعان ما فرض حضوره في كل من اليونان ومقدونيا ثم الامبراطورية الرومانية وبدأ بوضع حجر الأساس للنظام المالي العالمي وثقافة الأموال.
الذهب كسب رهان العملات المعدنية النقدية، و برز كقائد تاريخي، كونه نادر، لا يصدأ ولا يتأكل و لا يمكن صناعته في مختبر. واليوم نشهد ظاهرة اقتصادية وفيزيائية فريدة وهي تسامى الذهب، والتسامي هو تحول المادة من الحالة الصلبة الى الغازية مباشرة، والمقصد هنا تخلي الذهب عن وزنه و حجمه المادي الملموس ليتبخر مجازاً لأرقام الكترونية تظهر على شاشة هاتفك المحمول داخل محفظة الكترونية مشفرة.
هذا التحول لا يُلغي القيمة ولا يُغيبها هو فقط امتداد لتطور طبيعي لنفس حاجة انسان الصين الاول للنقود المثقوبة وهى البحث عن أمان وسهولة الحمل ولكن هذه المرة مع توفر السرعة الفائقة.
الذهب الإلكتروني يُلبي وبامتياز حاجة المستثمر المعاصر ويوفر الحل العبقري لمشاكل القرن الواحد والعشرين، امتلاك الذهب في صورته الفيزيائية التقليدية يحمل أعباءً لوجستية بدءاً من التكاليف الباهظة لخزائن البنوك المحمية، مروراً بمخاطر نقله وحمله وتأمينه، وصولاً الى حركة الأسواق السريعة والتقلبات الجيوسياسية التى ينعكس أثرها على تسييله.
التكنولوجيا لم تغير قيمة الذهب الجوهرية لكنها حررته من قيود الجاذبية والمكان فأصبح أداة مالية عابرة للحدود والقيود، حيث حلت التطبيقات والمحافظ الاكترونية المشفرة هذه الأزمات بضغط زر واحدة وهنا تبرز عبقرية التسامي الرقمي.
هذا الحل سمح لجيل جديد من الشباب المستثمر بدخول السوق دون الحاجة لشراء سبائك كاملة ضخمة، مع الغاء كامل لتكاليف الحراسة والتخزين الفيزيائي المباشر، و مرونة تامة لتسييل ثروتك وتحويلها الى كاش او نقلها عبر القارات في جزء من الثانية مختصراً بذلك سلسلة معقدة كانت تواجه المستثمر السابق ومدعوماً بأمان تكنولوجي.
في نهاية المطاف يثبت لنا التاريخي الاقتصادي الممتد أن حاجة الانسان الأساسية للبحث عن الأمان وخفة الحركة هى المطالب الاساسية التى يتطور بها شكل المال وسيطه ولكن يبقى جوهر القيمة الحقيقة راسخاً.
لقد تبخر الجسد الصلب للذهب ليتمشى مع نبض وسرعة العصر الرقمي المتسارع، فارضاً هيبة تاريخية وقدرة فائقة على حماية مدخرات البشر وثرواتهم من التضخم والانهيارات الاقتصادية ومحافظاً على عرشه منذ الالاف السنين.